السبت - الموافق 16 يناير 2021م

العنف النفسي للمرأة .. بقلم : الدكتور عادل عامر

أن الأسباب العديدة للعنف ضد المرأة يخلف وراءه مشاكل نفسية كبيرة، ويكون من نتيجته حقد المرأة على الذكور، ويبدأ من مشاكلها مع شقيقها والتي شعرت بتفرقة عنصرية في المنزل وهذا الأمر يؤثر تأثيرا سلبيا في المرأة ويصنع تراكمات كثيرة،

ثم تمر الفتاة بمرحلة أخرى هي مرحلة العمل والتي تزداد معها المعاناة اليومية بين نظرة رئيس العمل لها، ناهيك عن الأطماع التي من حولها بخلاف التدرج الوظيفي وهنا تصطدم الفتاة بشكل آخر من العنف في المعاملات بين أخلاقها وأخلاق الآخرين،

من هنا يجب أن تفرغ الفتاة الطاقة السلبية التي بداخلها التي تمت عن طريق العنف ولو دخلت الحياة الزوجية بهذا الشكل تكون الكارثة. رغم الجهد الرئيس الذي تُقرّه الأديان والمذاهب الإنسانية في تأكيد الرحمة والرأفة والرفق بين بني الإنسان، ورغم حجم الأضرار التي تكبدتها الإنسانية جرّاء اعتماد العنف كأداة للتخاطب والتمحور، ورغم أنَّ أي إنجاز بشري يتوقف على دعائم الاستقرار والسلام والألفة.. رغم هذا وذاك ما زالت البشرية تدفع ضرائب باهظة من أمنها واستقرارها جرّاء اعتماد العنف كوسيلة للحياة.

إنَّ رواسب المنهج الهمجي العدواني ما زالت عالقة في أذهان وسلوكيات البعض منّا في التعاطي والحياة وذلك على أرضية منهج العنف المضاد للآخر والفاقد للسماحة والرحمة، وإنها مشكلة قديمة جديدة لا تلبث أن تستقر في ساحتنا الإنسانية كل حين لتصادر أمننا الإنساني وتقدمنا البشري، فرغم التطورات الهائلة في الذهن والفعل الإنساني بما يلائم المدنية والتحضّر إلاّ أنه ما زلنا نشهد سيادة منهج العنف في تعاطي بني البشر وبالذات تجاه الكائنات الوديعة كالمرأة، وإنه توظيف مقيت ذلك الذي يوظّف مصاديق القوة لديه ليُحيلها إلى تجبّر وسيطرة من خلال العنف القسري المُمارس ضد الأضعف.

أن الفترة الأخيرة في مصر شهدت تطورا كبيرا فيما يخص التصدي للعنف ضد المرأة في عدة قوانين، كان آخرها قانون التحرش والذي فرض سرية معلومات في جريمة التحرش ومعاقبة من يدلي بأي معلومات تكشف شخصيتها، ورغم ذلك تواجه مشاكل عدة في الإبلاغ عن واقعة التحرش، مثل انعدام الشهود ورفضهم الذهاب معها إلى أقسام الشرطة، بخلاف نظرة المجتمع، أيضا هناك مشكلة كبيرة خاصة بالتشريعات المتعلقة بالعنف الأسري

ورغم أن هذه التشريعات في باطنها حماية المرأة من العنف إلا أن المشكلة تبقى في التطبيق العملي لإثبات التعدي، والسبب في ذلك أن المشكلة تقع داخل الأسرة وهذا الأمر يصعب فيه إثبات جريمة التعدي من قبل الزوج وهذا الأمر يصعب على المرأة التي تم التعدي عليها إثباته لمعاقبة الزوج، ناهيك عن الصعوبات التي تواجهها في النيابات وأقسام الشرطة للإبلاغ عن واقعة الضرب، لكن فيما يخص جريمة الاغتصاب والتعدي على المرأة، فإن القانون الجنائي في هذا الشق يضع عقوبات رادعة تصل إلي الإعدام في مثل هذه الجرائم يضع حلولا لوقف نزيف هذه الجرائم. أن هناك تشريعات كثيرة في الدول العربية بصفة عامة ومصر بصفة خاصة، لكن تكمن المشكلة في التطبيق العملي لهذه التشريعات، ورغم ذلك فإن تأثير المشرع للقانون كونه رجلا يشكل عقبة كبيرة في سن القوانين الخاصة بالعنف ضد المرأة، فهو يتأثر بالبيئة التي تحيط به ومن ثم نجد هناك خللا في عدد من القوانين الخاصة بالعنف ضدها، خصوصا الجرائم التي تتم داخل الأسرة، فدائما ما يكون في ذهن المشرع «ذكوريته»

التي تتحكم فيه، حيث يعتبر أن هذا الحق لا تستحقه المرأة لأنها ناقصة عقل ودين وبالتالي تستخدم هذا الحق في غير موضعه والدليل على ذلك قانون الطفل في مصر وهو ما يحدد سن الطفولة حتى 18 عاما، فإذا قام أحد الشباب وعمره 17 عاما بالتعدي على طفلة واغتصابها يحاكم أمام محكمة الطفل أي عقل يقول ذلك وهنا تتم معاملته كطفل، بينما هو يعي جيدا ما فعله من جرم، وأن قانون الطفل وضع لحماية الأطفال لا لحماية هؤلاء.

إن هناك أشكالا عديدة للعنف، هناك عنف مباشر عن طريق العلاقة الأسرية سواء كان زوجا أو أبا أو أخا، وهذا نتيجة أسباب مختلفة منها أسباب اقتصادية للزوج والتي تولد حالة من الهموم التي ينتج عنها اللجوء إلى الطرف الضعيف للتنفيس وإخراج الكبت والضغط النفسي عن طريق العنف ضد الزوجة، أيضا هناك الشك الذي يولد العنف ضد الزوجة، وهناك عنف مجتمعي يمارس ضد المرأة منذ الولادة، عن طريق موروث ذكوري يتم من خلاله تمييز الرجل على المرأة. أن هناك عنفا آخر يمارس ضد المرأة في المجتمعات العربية وهو أن المرأة لا ترث من أبيها. ناهيك عن التنمر ضد النساء فيما يخص الملبس، وهذا الأمر فرض على البعض التدخل في شؤون المرأة عن طريق فرض ملابس بعينها أو طريقة مشي أو الحجر على آرائها.

أشكال عديدة

العنف ضد المرأة بأن له أشكالا عديدة ووسائل متعددة، والسبب في ذلك انعدام الوعي والثقافة في هذه المناطق في معاملة المرأة بصفة عامة، حيث يبدأ التنمر الذي يسبب تشوهات نفسية لديها والتي تنتج عن طريق التفرقة العنصرية بين الذكر والأنثى،

وبالتالي عندما تصل المرأة إلى مرحلة الزواج أو الأمومة تكون قد مرت بعمليات عنف كبيرة منذ ولادتها عن طريق التمييز من خلال الموروث الثقافي الذي يؤكد على حب الذكور وإنجابها، وبغض إنجاب البنات. يُتخذ العنف وسيلة لإخضاع المرأة لتحقيق أغراض فردية أو جماعية شخصية أو رسمية،

والواقع يُشير إلى تعرض كثرة من النساء لصنوف محددة من العنف بسبب هويتهُنَّ الجنسية أو بسبب أصلهن العرقي والطائفي أو مستواهُنَّ الثقافي والاقتصادي أو انتمائهُنَّ الفكري والسياسي، وخلال الحروب والصراعات المسلحة

كثيراً ما يُستخدم العنف ضد المرأة باعتباره سلاحاً في الحرب بهدف تجريد المرأة من آدميتها واضطهاد الطائفة أو الطبقة أو الدولة التي تنتمي إليها، أما النّساء اللاتي ينـزحن عن ديارهن فراراً من العنف أو الصراع أو يرحلن بحثاً عن أمانٍ وحياةٍ أفضل فكثيراً ما يجدن أنفسهم عرضة لخطر الاعتداء أو الاستغلال بلا أدنى رحمة أو حماية. إنَّ محاربة العنف- كحالة إنسانية وظاهرة اجتماعية – عملية متكاملة تتآزر فيها أنظمة التشريع القانوني والحماية القضائية والثقافة الاجتماعية النوعية والنمو الاقتصادي والاستقرار السياسي الديمقراطي، فعلى أجهزة الدولة والمجتمع المدني بمؤسساته الفاعلة العمل المتكامل لاستئصال العنف من خلال المشاريع التحديثية الفكرية والتربوية السياسية والاقتصادية، وهنا يجب إيجاد وحدة تصور موضوعي متقدم لوضع المرأة الإنساني والوطني، والعمل لضمان سيادة الاختيارات الإيجابية للمرأة في أدوارها الحياتية، وتنمية المكتسبات النوعية التي تكتسبها المرأة في ميادين الحياة وبالذات التعليمية والتربوية.

كما لابد من اعتماد سياسة التنمية البشرية الشاملة لصياغة إنسان نوعي قادر على الوعي والإنتاج والتناغم والتعايش والتطور المستمر، وهي مهمة مجتمعية وطنية تتطلب إبداع البرامج والمشاريع الشاملة التي تلحظ كافة عوامل التنمية على تنوع مصاديقها السياسية والاقتصادية والحضارية، إنَّ أي تطوّر تنموي سيُساعد في تخطي العقبات التي تواجه المرأة في مسيرتها الإنسانية والوطنية.

كما أنَّ للتوعية النّسوية دور جوهري في التصدي للعنف، إذ لابد من معرفة المرأة لحقوقها الإنسانية والوطنية وكيفية الدفاع عنها وعدم التسامح والتهاون والسكوت على سلب هذه الحقوق، وصناعة كيان واع ومستقل لوجودها الإنساني وشخصيتها المعنوية، وعلى فاعليات المجتمع النّسوي مسؤولية إبداع مؤسسات مدنية جادة وهادفة للدفاع عن المرأة وصيانة وجودها وحقوقها.

كما أنَّ للنُخب الدينية والفكرية والسياسية الواعية أهمية حاسمة في صناعة حياة تقوم على قيم التسامح والأمن والسلام، وفي هذا الإطار يجب التنديد العلني بالعنف الذي تتعرض له المرأة والإصغاء للنساء والوقوف معهنَّ لنيل حقوقهنّ، ويجب أيضاً مواجهة المسؤولين إذا ما تقاعسوا عن منع أعمال العنف ضد المرأة ومعاقبة مرتكبيها وإنصاف ضحاياها، ورفض الأفكار والتقاليد التي تحط من شأن المرأة وتنتقص من آدميتها ودورها ووظيفتها. وأيضاً لا مناص من العمل على توافر البنى التحتية لنمو المرأة وتطورها الذاتي كقيام المؤسسات التعليمية والتثقيفية والتأهيلية الحديثة التي تساعد على شرح وتبسيط الموضوعات سواء كانت موضوعات تربوية أو صحية أو اجتماعية أو سياسية لضمان تقدمها السريع.

كما لابد من فاعلية نسوية صوب تشكيل مؤسسات مدنية لحفظ كيانها الإنساني والوطني، ولابد وأن تقوم هذه المؤسسات على العمل الجمعي والمعتمد على نتائج البحث العلمي وعلى الدراسات الميدانية حتى تتمكن الجمعيات والمؤسسات النسوية من الانخراط الواقعي في بودقة المجتمع المدني الحارس للديمقراطية وحقوق الإنسان.

وللإعلام دور كبير في صناعة ثقافة متطورة تجاه المرأة كوجود ورسالة ودور إنساني ووطني، وعليه يقع مسؤولية مضاعفة لخلق ثقافة الرفق والرحمة في العلائق الإنسانية الخاصة والعامة، فعلى وسائل الإعلام المتنوعة اعتماد سياسة بنّاءة تجاه المرأة وإقصائية لثقافة العنف المُمارس ضدها، فعلى سبيل المثال يجب الابتعاد عن الصورة النمطية المُعطاة للمرأة إعلامياً بأنها ذات عقلية دونية أو كيدية تآمرية أو قشرية غير جادة، كما يتطلب الأمر الابتعاد عن البرامج الإعلامية التي تتعامل محتوياتها مع حل المشاكل الإنسانية والخلافات العائلية بالعنف والقسوة والقوة.. والتركيز على حل المسائل الخلافية داخل المحيط الإنساني والأسري بالتفاهم والمنطق والأسلوب العلمي والأخلاقي الرفيع.

التعليقات