الخميس - الموافق 29 أكتوبر 2020م

العابد الفقيه قبيصه بن ذؤيب .. إعداد / محمـــد الدكـــرورى

إن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان، ولهذا قرن الله سبحانه وتعالى، بينهما في قوله تعالى فى سورة الروم ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ) وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالمية، فمن أراد أن يعرف منزلته عند الله عز وجل، فليعرف منزلته من العلم، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” رواه البخارى ومسلم، فمن لم يفقهه في الدين فتلك علامة على أنه لم يرد به خيرا، فكفى بذلك ندامة وخذلانا، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه ” تعلموا العلم، فإن تعلمه لله حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح” وقال الشافعي رحمه الله ” طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة “وقال سفيان الثوري رحمه الله.
” ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحّت فيه النية ” وقال الحسن البصري رحمه الله “يوزن مداد العلماء بدم الشهداء يوم القيامة، فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء” وقال أيضا رحمه الله “لولا العلماء لصار الناس كالبهائم” فإذا كان الأمر كذلك فالواجب على العاقل اللبيب أن يسعى جاهدا في طلب العلم، وأن يوجه أبناءه إلى ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والعلم إنما هو العلم الذي يعرف العبد به ربه سبحانه وتعالى، ألا هو العلم الشرعي، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله “الناس إلى العلم أحوج إلى الطعام والشراب، وذلك لأن الرجل قد يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين، وأما حاجته للعلم فهي بعدد أنفاسه ” وقال ابن القيم رحمه الله ” ولا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه، ودوم ذكره والسعي في مرضاته.
وهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خُلق الخلق، ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم، فالعلم يفتح هذا الباب العظيم الذي هو سر الخلق والأمر” وسوف نتحدث عن عالم من العلماء، وفقيه من الفقهاء، ألا وهو قبيصه بن ذؤيب، وهو أبو سعيد قبيصة بن ذؤيب الخزاعي الدمشقي، وهو تابعي شامي، وهو أحد رواة الحديث النبوي، وهو حامل خاتم وصاحب بريد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وقد ولد أبو سعيد قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي سنة ثمانى من الهجره، وكان أبوه ذؤيب هو صاحب بُدن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أى صاحب الناقه أو الجمل التى كانت مع النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد توفي أبوه وهو صغير، فأمر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بأن يأتوه بقبيصة، فدعا له، وقد اختُلف في كُنيته فقيل أبو سعيد.
وقيل أبو إسحاق، وقد عاش قبيصة حياته في المدينة المنورة، وتفقه في الدين، وعمل في المدينة معلما للصبيان، وقد أثنى الزهري عليه فقال: كان قبيصة بن ذؤيب من علماء هذه الأمة، وقال مكحول الشامي: ما رأيت أعلم من قبيصة بن ذؤيب، وقال عامر الشعبي: قبيصة بن ذؤيب أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، وقال أبو الزناد: كان فقهاء أهل المدينة أربعة سعيد بن المسيب، وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، وأما عن مكحول أو مكحول الشامي، هو مكحول بن عبد الله، أبو عبد الله الشامي، وهو محدث فقيه حافظ، وهو عالم أهل الشام، ومن كبار أعلام التابعين، وهو من أشهر فقهائهم في بلاد الشام، وقد روى أحاديث مرسلة عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقيل هو مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل بن سند بن شروان بن يزدك بن يغوث بن كسرى.
وقد قيل أن مكحولا سبي من كابل، وقد عداده في أوساط التابعين من أقران الزهري، وأما عن عامر بن شراحيل، فهو عامر بن شرحبيل بن عبد بن ذي كبار أبو عمرو الهمداني الشعبي، وهو المشهور بلقب الإمام الشعبي، وهو تابعي وفقيه ومحدث من السلف، وقد ولد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأما عن عبد الله بن ذكوان، فهو عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن المدني، وهو المعروف بلقب أبي الزناد، وهو تابعي وفقيه المدينة، وهو أحد رواة الحديث النبوي الشريف الثقات، وقد روى له الجماعة، وهو عبد الله بن ذكوان، وكنيته أبو عبد الرحمن القرشي المدني، ويلقب بأبي الزناد، وأبوه مولى رملة بنت شيبة زوجة الخليفة عثمان بن عفان ، وقيل: مولى عائشة بنت عثمان بن عفان، وقيل : مولى آل عثمان، وقيل : إن أباه ذكوان كان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب.
وقد ولد عبد الله بن ذكوان سنة خمس وستين في حياة ابن عباس رضى الله عنهما، وقد رأي أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد تتلمذ على أيدي كبار التابعين، وأصبح ابن ذكوان من أبرز وأشهر علماء عصره، وكان أكثرهم دراية بعلم الحديث، وله حلقة علمية في المسجد النبوي الشريف، وكان سفيان الثوري يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث، وكان من شيوخه الفقهاء السبعة، فكان يقول حدثني السبعة ويقصد بهم سعيد بن المسيّب، وعُروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، وقد ولّى أبا الزناد خراج العراق في زمن الخليفه الأموى الراشد عمر بن عبد العزيز مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فقدم الكوفة.
وكان حمّاد بن أبي سليمان صديقا لأبي الزناد وكان يأتيه ويحادثه، وقال محمد بن سعد البغدادي: كان ثقة كثير الحديث، فصيحا بصيرا بالعربية عالما عاقلا وقد ولي خراج المدينة، وقد قال عنه علي بن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن ذكوان، وقال عبد ربه بن سعيد الأنصاري: رأيت ابن ذكوان دخل مسجد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان، فمن سائل عن فريضة ومن سائل عن الحساب، ومن سائل عن الشعر، ومن سائل عن الحديث، ومن سائل عن معضلة، وتوفي ابن ذكوان في ليلة الجمعة السابع يوم عشر رمضان لسنة مائه وثلاثين من الهجره، وهو ابن ست وستين سنة، ودفن بالمدينة المنورة، وأما عن قبيصه بن ذؤيب فقد شارك قبيصة بن ذؤيب في وقعة الحرة، وفيها فقد إحدى عينيه.
ثم انتقل قبيصة بعد ذلك إلى الشام، وصار من المقربين إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي جعله على خاتمه وبريده، فصار هو من يقرأ له رسائله التي ترد إليه، وأما عن وقعة الحرة، فهى واقعه كانت بين أهل المدينة المنوره من طرف، ويزيد بن معاوية والأمويين من طرف اخر، وفيها أن أهل المدينة نقضوا بيعة يزيد بن معاوية لما كان عليه من سوء ولما حدث في معركة كربلاء ومن مقتل الحسين بن علي، فطردوا والي يزيد على المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومن معه من بني أمية من المدينة، فأرسل على اثرهم يزيد جيش من الشام وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري فوقعت بينهم وقعة الحرة وانتهت بمقتل عدد كبير من الصحابة وأبناء الصحابة والتابعين وكانت عام ثلاثه وستين من الهجره، وقد توفي قبيصة بن ذؤيب سنة سته وثمانين من الهجره، بالشام.
وكان ذلك في آخر خلافة عبد الملك بن مروان، وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي، وهو الخليفة الخامس من خلفاء بني أمية والمؤسس الثاني للدولة الأموية، وقد ولد في المدينة وتفقه فيها علوم الدين، وكان قبل توليه الخلافة ممن اشتهر بالعلم والفقه والعبادة، وكان أحد فقهاء المدينة الأربعة، وقد استلم عبد الملك الحكم بعد أبيه مروان بن الحكم سنة خمسه وستين من الهجره، وحكم دولة الخلافة الإسلامية واحدا وعشرين عاما، وأما عن قبيصه بن ذؤيب فقد روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وبلال بن رباح وعبد الرحمن بن عوف وتميم الداري وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وعثمان بن عفان وعمرو بن العاص ومحمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة
ورور أيضا عن السيده عائشة بنت أبي بكر والسيده أم سلمة، وقد روى عنه: ابنه إسحاق بن قبيصة ومكحول الشامي ورجاء بن حيوة وأبو الشعثاء جابر بن زيد وأبو قلابة والزُهري وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر وهارون بن رئاب وبكر بن سوادة وسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان وعبد الله بن أبي مريم مولى بني ساعدة وعبد الله بن موهب الهمداني وعبد الله بن هبيرة السبئي وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي وعثمان بن إسحاق بن خرشة ومحمد بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي ومحمد بن يوسف الدمشقي، وقد ذكره خليفة بن خياط وأبو زرعة الدمشقي في الطبقة الثانية من أهل الشام، وقال عنه الذهبي: كان ثقة مأمونا، كثير الحديث، كما وثّقه ابن سعد، وروى له الجماعة، وهكذا فإن العلم هو حياة القلوب ونور الصدور، وزكاة النفوس، فلنحرص جميعا على طلبه ولا يشغلنا عنه شاغل.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك