الجمعة - الموافق 14 مايو 2021م

الطاقة النووية السلمية .. بقلم :- الدكتور عادل عامر

يوجد ست دول شرق أوسطية لديها برامج طاقة نووية عاملة أو مخطط لها حالي في المنطقة بالإضافة إلى دوافعها وتحدياتها تختلف من دولة إلى أخرى. فمن ناحية احتياجات وقود اليورانيوم منخفض التخصيب، الـمتوقع إنتاجها من الطاقة النووية في منطقة الشرق الأوسط بأكملها حتى العام٢٠٤٠م، تتراوح من ١١ – ٤٢ فإن القدرة الكهربائية ُ ميغاوات.

وبالاستناد إلى التقديرات المرتفعة وتلك المنخفضة، فقد بات من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى مصادر أساسية لوقود اليورانيوم وللتخصيب. وحتى لو تم الاستناد إلى التقدير المنخفض، فإن المنطقة ستحتاج إلىحوالي٢٤٢ طن من اليورانيوم من خفض التخصيب كل عام، وبالتالي إلى قدرات كبية لتخصيب اليورانيوم أيضاً.

أما من ناحية مزودي الطاقة النووية، فإن روسيا تقود السباق بفاعلاتها التي تعتمد تكنولوجيا الماء الخفيف من خلال ترحيبها بالمساعدة في تولي برامج الطاقة النووية في المنطقة. ومن المنظور الاقتصادي، فإن استخدام الطاقة النووية في منطقة الشرق الأوسط سيصبح ً خيارا غالي مجدد إذا بقيت تكاليف الطاقة الشمسية مستمرة في الانخفاض.

لمفاعل النووي ليس سلاحاً مدمراً فقط، بل هو مصدر كبير للطاقة، التي تعتبر الهدف الأساس من بحث العلماء في الطاقة الذرية قبل الحرب العالمية الثانية. فعدا عن إنتاج الكهرباء بوفرة كبيرة وكلفة أقل منها في المعامل التقليدية، فإن الطاقة النووية تزوّد دول العالم بأكثر من 16 في المئة من الطاقة الكهربائية، لأن كمية الوقود النووي المطلوبة لتوليد كمية كبيرة من الطاقة الكهربائية أقل بكثير من كمية الفحم أو البترول اللازمة لتوليد المقدار ذاته. وتستخدم الطاقة المنتجة من المفاعلات النووية في تحلية المياه المالحة وإنتاج النظائر المشعّة وفي تدفئة المنازل في الدول الباردة وفي تسيير المصانع الكبرى، إضافة إلى استعمالها في بعض أنواع الغواصات والبواخر الضخمة بديلاً للوقود التقليدي.

وهناك “الطب النووي” الذي يستند إلى مواد النظائر المشعّة لتحديد المرض ومعالجته. هذه المواد إما أشعة النظائر وإما أدوية معلّمة (وضعت لها علامات) بمواد أشعة النظائر، من شأنها تحديد سرطان البروستات وعلاجه وسرطان الكولون والأمعاء الصغيرة وبعض حالات سرطان الصدر، وكذلك تحديد الغدد السرطانية ودراسة غدد المخ والصدر والأعراض.

مفاعل اليورانيوم

أشهر أنواع المفاعلات هو مفاعل الماء الخفيف الذي يعمل باليورانيوم المخصب. ففيه تعمل الطاقة الحرارية الناتجة من تسخين الماء المحيط باليورانيوم حتى درجة الغليان، فيتولّد بخار عند ضغط عالٍ، الذي يُنقل عبر التوربينات البخارية، فيدور. ويمكن استغلال دوران التوربين في دفع مراوح السفينة أو لإدارة المولدات الكهربائية. وهذه الطريقة تشبه عمل الماكينات التقليدية التي تنتج الطاقة من البخار، إلا أن الفرق في هذه الحالة هو أن مسبب دوران الآلة طاقة اليورانيوم وليس الفحم الحجري أو البترول أو الغاز كما هي العادة.

ولكن ما يجب معرفته أن الماء المحيط بالكومة الذرية يصبح مشعّاً مع الوقت ولا يصلح للاستخدام المدني، لهذا يصار إلى تدويره في مبادل حراري تنتقل فيه الحرارة من ماء المفاعل إلى ماء آخر نظيف يمكن استهلاكه. أي تكون في المفاعل دورتان للمياه: دورة أوّلية داخله، ودورة ثانوية خارجه، والأخيرة تكون نظيفة ويمكن استغلال حرارتها في الأغراض المدنية. يثير معارضو المفاعلات النووية مسألة التكلفة العالية لبنائها، والمخاوف المتعلقة بالسلامة وصعوبة التخلص الآمن من النفايات المشعّة. وساءت سمعة الطاقة النووية بسبب حادثة تشيرنوبل عام 1986، ثم بعد كارثة محطة فوكوشيما في اليابان. لكن تصميم المفاعل الياباني أدى إلى تقليل الإشعاع الذي تسرّب منه مقارنة بحالة تشيرنوبل، ما دفع إلى التقدير العالمي أن التقنيات والتصميمات الحديثة في هندسة المفاعلات تسهم في التخفيف من آثارها الضارة في حالة الجوائح الطبيعية أو الحروب.

ويعتبر المطالبون باستخدام الطاقة النووية أن التكلفة العالية لبناء المحطات يمكن التغاضي عنها، طالما أن تكاليف تشغيلها على المدى الطويل أقل بكثير مقارنة بالمحطات التقليدية، إضافة إلى أنها أكثر صداقة للبيئة أثناء تشغيلها، كما أورد الدكتور عقلا الحريص في بحث له نشر عام 2011.

بحكم طبيعة التحدّيات التي يواجهها كوكب الأرض، فمن الضروري أولاً وقبل كل شيء، ضمان الإتاحة الكافية من الكهرباء والمياه والصرف الصحي للجميع. وتتمتّع المفاعلات المذكورة أعلاه بالقدرة الفريدة على ذلك. ولأن أنواع الوقود التي يمكن استخدامها في المنظومة تتباين إلى حدٍ كبير، فإن الكفاءة واستخدام الوقود هي نُظم تتسم بحجم أكبر من حجم مفاعلات اليورانيوم المتعارَف عليها، فضلاً عن أن التكنولوجيا مستخدمة على نطاق واسع عبر طائفة كبيرة من الاستخدامات، ومن ثم فمن الصعب الاستهانة بإمكانية استخدام المفاعلات لصالح التنمية البشرية في المستقبل.

وبالإضافة إلى ذلك، وبما أن المواد المُشعَّة تكون مستبعَدة تماماً من شبكة توليد الطاقة الكهربية، التي تعمل عند درجة تزيد على 100 درجة مئوية، فلسوف يتاح تنقية المياه وتعقيم النفايات من خلال الحرارة الزائدة. ويمكن تنفيذ هذا الأمر في أماكن قرب المحيط ومنها مثلاً كاليفورنيا مع التزويد بالمياه النقية من أجل الاستهلاك الآدمي.

الاستجابة إزاء الكوارث والشبكات المتناهية الصِغَر

لأن هذه المفاعلات يمكن أن تكون معيارية وقابلة للقياس، يصبح بالإمكان تخفيض حجمها إلى حيث يمكن تصنيعها ونشرها على نطاق واسع من أجل تزويد عمليات التشغيل بالطاقة حيث لا يتاح الوصول إلى الهياكل الأساسية التقليدية. وهذا يشمل القواعد العسكرية والدول النامية ومرافق الاستجابة إزاء الكوارث في المواقع التي تكون البنى الأساسية فيها قد أصيبت بأضرار. وطبيعة هذه المفاعلات تتمثّل في قدرتها على التوافق مع أحمالها مما يجعلها مرشَّحاً نموذجياً لتشغيل شبكات الأجل القصير.

أخيراً، فإن تطبيقات هذه التكنولوجيا يمكن توسيعها لكي تتجاوز كوكب الأرض ذاته، حيث يمكن أن تصبح المفاعلات المذكورة أعلاه مرشّحاً قوياً من أجل نظام للطاقة الكهربائية يتاح استخدامه للحفاظ على الحياة البشرية أو على مهام كائن الذكاء الاصطناعي – الروبوت في الفضاء الخارجي.

ويمكن في هذا المجال تيسير أمر الطاقة والحرارة ونُظم تنقية المياه فيما يمكن أن يعمل المفاعل على مدار سنوات عديدة دون تدخُّل بشري. كذلك يمكن معالجة المياه العادمة وتعقيمها بما يتيح استخدامها من أجل نظام مستدام لدعم الحياة خارج كوكب الأرض. إن هناك الكثير من المشاكل والقضايا التي تواجه الكوكب وسكانه. والتماس الحلول لأيٍ من هذه المشاكل والقضايا يمكن أن يمثل مهمة جسيمة، فضلاً عن الحلول التي يمكن أن تساعد على التوصُّل إلى تحقيق العديد من الأهداف الإنمائية.

ومن ثم فإن الطاقة الذرية، إذا ما أجيد استخدامها، يمكن أن تنقذ الحياة والموارد، وقد حان الوقت لإعادة تدارس أساسية لتطبيقاتها ولمواصلة تنمية بحوث الطاقة الذرية السلمية. وتمثِّل مفاعلات الملح المنصهر إحياءًُ لفكرة قديمة ثبت أنها تشكل واحداً من أفضل السُبل المنفردة الكفيلة بالتزويد بطاقة آمنة ونظيفة من أجل مئات السنين في المستقبل.

لقد أصبح الاستخدام السلمي للطاقة النووية من أهم الضروريات التي ترغب فيها الدول بل تعمل جاهدة من أجل تجسيدها تحقيقا لأهداف نفعية سواء في الجانب الاقتصادي المتماشي والتنمية المستدامة أو الزراعي أو الصيدلي وحتى في مجالات أوسع كالفضاء . ومع هذا يمكن أن تخلف هذه الطاقة العديد من الآثار السلبية والتي تنعكس علة البيئة والإنسان وتلحق أضرارا خطيرة فحتَّم ذلك إعادة النظر في هذه الطاقة واستخداماتها السلمية والتي أصبح الأمر بشأنها يأخذ العديد من السبل والبحث عن الآليات لتعزيز هذه الطاقة النووية السلمية والاستفادة منها من منطلق الاعتبار السيادي الذي يسمح لجميع الدول الاستفادة كحق معترف به ، وفي المقابل الدفع بالضوابط القانونية الدولية كتقيد حتى لا يتجاوز هذا الاستخدام السلمي للطاقة النووية المرسومة له و الممكنة

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك