الخميس - الموافق 06 أكتوبر 2022م

الضمير الاجتماعي والإرادة الشعبية ..بقلم الدكتور عادل عامر

حيث إن ما يفقده الإنسان بالعقد الاجتماعي هو حريته الطبيعية وحقا لا محدودا في كل ما يغريه وما يستطيع بلوغه , أم ما يكسبه فهو الحرية المدنية وملكية كل ما هو في حيازته , ويجب أن نميز بين الحرية الطبيعية التي ليس لها من حدود سوى قوى الفرد عن الحرية المدنية التي تكون محدودة بالإرادة العامة .

و الأفراد مع بعضهم البعض يجتمعون لتحقيق المثل العليا من حيث العيش برخاء في ظل مفهوم المصلحة العامة للدولة، و هذه الإرادة العامة المتمثلة من هذا المفهوم تعطي لكافة أطياف المجتمع من أغنياء و فقراء باختلاف أطيافهم السياسية المختلفة الحق في العيش في كنف الدولة في ظل وجود نظام يسودها يتمثل بالقانون ليعطي جميع أفراد الدولة المساواة في تحقيق أكبر قدر من الرخاء و العيش بديمقراطية مع وجود نظام يتمثل بالقوانين لكي لا يحيد أي طرف عن هذه المنظومة.

لا يستطيع الأنسان ان يعيش معزولا عن الآخرين، بل لا بد له من العيش في مجتمع ليتمكن من القيام بحياته اليومية و التعامل مع الناس في المعاملات وعلاقات اجتماعية و اقتصادية، ووضع القانون يتأثر بالعوامل و القيم الاجتماعية كما أن صفة المعيارية لا تجعل منه علم تفسيري فقد يقتصر على الوقائع بل هو يبحث في الغايات و الأهداف العامة، حيث ان كل قاعدة قانونية لها غاية وقيمة اجتماعية.

وحسب المفاهيم الأساسية بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بطريقة انعزالية فهو يجب أن يندمج وفق الدولة و أطرها المتعددة لذلك وجد العقد الاجتماعي لما يمكن المجتمع من التعايش وفق نظام معين و يطرح فكرة القانون في التنظيم و الإدراك ما بين الناس جميعا.

ومن هنا انطلق مفهوم الإرادة العامة أي بمعنى ما يطمح و يريده الناس جميعا عندما يتطلعون وفق مفهوم الحيز العام الذي يعيشون فيه بعضهم بجانب بعض و يتخلون عن إرادتهم الخاصة بل و يدمجونها فيما بينهم البعض ليكونوا معا الإرادة العامة و التي تكون بذاتها معيار الصواب للدولة.

فالشعب هم الإرادة العامة و عندما يجتمع الشعب وفق مصالح معينة على إنشاء قانون في الحيز العام الذي يجمعهم جميعا فهم يتخلون نوعا ما عن الحيز الخاص بهم وذلك للمصلحة الكاملة، ومن هذا المنطلق فإن القانون يستطيع إنشاء نظام ديمقراطي وفق المصلحة العامة التي تقتضيها الإرادة العامة. والعكس من هذا الكلام صحيح، عندما يأخذ القانون السيطرة على الدولة يتبين لدينا أن الشعب وهم أصحاب القانون الأصيلين من منطلق مفهوم الإرادة العامة التي تجمعهم يفقدون القدرة على السيطرة على القانون، و بالتالي يصبح لدينا على عكس المفهوم الأصيل للإرادة العامة للشعب و التي تولد و تنشأ القانون الذي يخدم مصالحهم جمة.

الوعي الجَمْعي: هو وعي الأفراد بالعلاقات الاجتماعية، والتواصل المجتمعي بينهم، حتى يتطور ويكون عاملاً من عوامل النهوض بالمجتمعات. هذا على مستوى التعريف بشكل دقيق، فالأصل في الوعي الجَمْعي: هو بناء الأوطان والمجتمعات على قاعدة التواصل والعلاقات الاجتماعية، بعيداً كل البعد عن التقزم، والتقسيمات الشعوبية، التي تتم في منطقتنا العربية خلال العشرين عاما الماضية وحتى الآن. ولما كان الوعي بشموله الذي نعرِّفه بأنه: حالة من الإدراك الذي يجمع بين تفعيل دور العقل والمشاعر؛ لفهم ما يدور حول الإنسان، ولتنظيم علاقته بالموجودات المحيطة به، ولا يكتمل الوعي إلا إذا عمل الإنسان على تنميتها، بشكل مستمر، من خلال تطوير قدراته الفكرية، ومن خلال ربط تلك القدرات بتجاربه الحسية التي تشكل خبرته في الحياة.

كان التيار الإسلامي أحد أهم التيارات التي نشَّطت جدَل النهضة ونقاشها، بل يمكن القول بأنه كان طرفًا بارزًا في هذا الجدل، إلى درجة أن صار هو مركز هذا الجدل، ولكن بإلقاء نظرة على أهم نتائج هذا الزخم الطويل سنجد أن أهم ما ترك من أثر هو تقليصه للمنظومة الإسلامية إلى مجرد خطاب سياسوي، وخطاب محكوم بالأيديولوجي،

بل إن خطاب النهضة والإصلاح قد اختُزل في دائرة واحدة هي الدائرة السياسية، وكأن كل المشاكل والإشكالات التي عانى منها العالم العربي على مدى عقودٍ طويلة وأجيال، كانت مجرد مشاكل سياسية وقضايا مرتبطة بالحكم والسلطة، ولذلك ساد الاعتقاد لدى عدد واسع من مثقفي التيارات الفكرية المنطلقة من خلفيات إسلامية وعدد من الجماعات الإسلامية أن قضية الحكم والدخول إلى عالَم السياسة هو سبيل كل إصلاح، وغطَّت هذه الاقتناعات على مساعي تيارات أخرى ألغت السياسي والحكم من قاموس رؤيتها، معتبرة وضع أسس الانطلاق الحضاري الحقيقي من تربية وتعليم وتوحيد للرؤية وصقلها هو السبيل المثالي المؤدي إلى كل نهضة وإصلاح.

غطَّت مثل هذه الأفكار والمواقف أعين المثقف عن رؤية ما يجري حوله، ففي الوقت الذي كان فيه العالَم المعاصر يجري ويركض في ظل هذا المثقف حبيسَ خطابٍ مثاليٍّ وحبيس خطاب يمدح المنظومة التي ينطلق منها وكأنه يعيش مغامرة خيالية، متوهمًا نفسه بطلاً أسطوريًّا من الماضي، أو شاعرًا يمدح ذاته ويهجو معارضيه ومخالفيه،

لم يخل الخطاب الإصلاحي من نبرات داعية إلى الاهتمام بقيم الإسلام وروحانيته، ومن دعوات إلى الاهتمام بالجوانب التربوية والسلوكية، والعناية بروحانية المجتمع على أساس كونها المدخل إلى تغيير حقيقي، لكن مع كل ذلك ظل هذا الخطاب محصورًا في حيز الخطاب لا يكاد يغادره، ولذلك لم تستطع مختلف التيارات الإصلاحية إعادة إنتاج نفسها في صورة أو في أشكال مراعية لخصوصية العصر وتحولاته السريعة، واقتصرت في أحسن الأحوال على بكاء حزين على ما آلت إليه الحال، وإلى مجرد تطلع إلى الوصفة السحرية التي تُخلِّص الأمة من ورطتها الوجودية.

فإنه يقينا طوق نجاة للمجتمعات والدول، وغاية في الخطورة لتحديد مصائرهم! كان لابد من وجود أزمة حقيقية في صناعته، وجهد غير عادي -خصوصاً- الوعي الجَمْعي الذي ننشده جميعا في إقامة شبكة علاقات قوية متماسكة، تنهض بالعقول والشعوب والأوطان، لذلك فصناعة الوعي أمر مهم وصعب؛ لأنه يستلزم طاقات جبارة، وفهماً عالياً، وهمة أعلى، وتجرداً وصدقاً في الرسالة التوعوية للمجتمع، بما تحمله من رقي في التواصل الفعال. وهنا يأتي السؤال الأخطر: كيف نحقق الوعي عموماً؟

وقبل الجواب، احذر -أخي القارئ- أن تظن أن الوعي حالة فردية فقط، بل هو -في نظري- العكس تماما، فهو حالة جماعية ببوصلة محددة، وهدف واضح، وقدرات جبارة، وطاقات هائلة، ورسالة صحيحة. فمحال تحقيق الوعي دون استغلال وتوظيف كل القدرات والإمكانيات والملكات الكبيرة، لذلك فإن صناعة الوعي موقوفة على عدة أمور:

وهذا الأمر على وجه الخصوص، من عوامل القصور التي نلاحظها جميعا في حياتنا ومجتمعاتنا العربية إلا من رحم ربي. فالتوظيف الفعال والصادق وفق قدرات وطاقات وملكات: هو ضمانة للنجاح التوعوي، ونشر تلك الرسالة المهمة في مجتمعاتنا، فمن العيب أن أضع على رأس جهة ما شخصاً انطوائياً، منعزلاً عن الناس، وأزعم أنه قادر على نشر وعي جمعي، وتواصل قوي بين أبناء البلدة الواحدة. وفي نفس الوقت غير مقبول أن نجد شخصاً بارعاً في التواصل وتكوين العلاقات، وشخصية قوية، فنحمل عليه كل المهام: سياسياً، واقتصادياً، وتربوياً، وفي الحالتين قصور، وفهم مرفوض.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك