الأحد - الموافق 17 يناير 2021م

السيدة أم قرفه ” الجزء الثانى” إعداد / محمــــد الدكـــــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع السيدة أم قرفة وقد توقفنا عند السؤال ألذى يقول هل يصح القتل بهذه الطريقة من النبى الكريم الرحمة المهداه صلى الله عليه وسلم؟ وينبغي أن نعلم أولا أنه يجب على المرء أن يبتعد عن الشبه وخصوصا إذا لم تكن لديه حصانة علمية كافية لردها ودحضها, فقد تقع موقعها في نفسه وتتمكن منه فلا يستطيع ردها, فتشككه في دينه وقد تصده عنه وهي من التفاهة والسقوط بمكان لوعرضت على أهل العلم وأولي الأمر، كما قال الله تعالى فى سورة النساء (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا) وأولئك القوم إنما يتتبعون من الأخبار والآثار ما كان كذلك, وقد يكون واهيا ضعيفا ولا يلتفتون إلى الأصول والقواعد المقررة والأخبار الصحيحة الصريحة ولاغرو، وكذلك فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، وينكر الفم طعم الماء من سقم.
وإن قصة أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن زيد، التي يدندن حولها كل مشكك لم يكن القاتل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قتلها زيد بن حارثة ولم يكن قتلها بالطريقة التي ذكرها، وقصتها كما في كنز العمال لعلاء الدين عن عائشة السيدة رضي الله عنها، قالت أتانا زيد بن حارثة من غزوة أم قرفة، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجر ثوبه فقبل وجهه, وقالت عائشة، وكانت أم قرفة جهزت أربعين راكبا من ولدها وولد ولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتلوه، فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فقتلهم وقتل أم قرفة وأرسل بدرعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصبه بالمدينة بين رمحين، وفي روايات أخرى ضعيفة قيل أن زيد بن حارثة مثل بها عند قتلها, فيقال ربطها في ذنب فرسين وأجراهما فتقطعت، ويذكر ذلك عن أبي بكر، ويذكرعن خالد, وهو يدل على اضطراب القصة وضعفها وعدم ثبوت ذلك.
بل الصحيح هو قتلها فحسب وكانت مقاتلة، والمرأة إذا قاتلت تقتل، وقد قال السرخسي لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة امرأة مقتولة فقال صلى الله عليه وسلم، ما كانت هذه لتقاتل، ففي هذا بيان أن استحقاق القتل بعلة القتال، فمتى قاتلت المرأة أو كانت تحرض وتعين المقاتلين فإنها تقتل، وقال ابن عبد البر، وقد كان حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مغازيه أن تقتل المقاتلة وتسبى الذراري والعيال، والآثار بذلك متواترة وهو أمر مجتمع عليه إلا أن تقاتل المرأة وتأتي ما يوجب القتل، وقد قال السرخسي، أيضا ويحتمل أنه كان ذلك من الخليفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بطريق المصلحة والسياسة، كما أمر بقطع يد النساء اللاتي ضربن الدف لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإظهار الشماتة، وإن كانت رواية المثلة بعيدة جدا لنهي الإسلام عن المثلة، كما عند البخاري وغيره من حديث عبد الله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أنه نهى عن النهبة والمثلة، وأيضا عند الإمام أحمد من حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين قالا ” ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة” فالمثلة منهي عنها فيبعد أن يفعلها أبوبكر رضي الله عنه، أو غيره من الصحابة إلا إذا جاء الدليل صحيحا صريحا بذلك، فيجاب عنه بما ذكر السرخسي آنفا، ولم نقف على خبر صحيح يقتضي ذلك فيما اطلعنا عليه، وأما روايات السير وقصص التاريخ فلا يثبت بها حكم وخصوصا، إن خالفت أصول الشريعة وقواعدها، ومن تلك الأصول والقواعد ما جاء في الصحيح من حديث شداد بن أوس قال اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة, وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته” رواه مسلم، فإذا كان إحسان القتلة مأمور به عند ذبح البهيمة، فكيف بالإنسان؟
وقد ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة إلى وادي القرى فلقي به بني فزارة فأصيب به أناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى وأصيب فيها ورد ابن عمرو، وهو أحد بني سعد بني هذيم، وقد أصابه أحد بني بدر فلما قدم زيد نذر ألا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو فزارة فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جيش إلى بني فزارة فلقيهم بوادي القرى فأصاب فيهم وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر وأسر أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر عجوزا كبيرة وبنتا لها وعبدالله بن مسعدة فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قرفة فقتلها قتلا عنيفا ربط برجليها حبلين ثم ربطهما إلى بعيرين حتى شقاها، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبنة ام قرفة وبعبد الله بن مسعدة.
فكانت بنت أم قرفة لسلمة بن الاكوع، وكان هو الذي اصابها وكانت في بيت شرف من قومها، وكانت العرب تقول لو كنت اعز من ام قرفة، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبها له فاهداها لخاله حزن بن ابي وهب فولدت له عبد الرحمن بن حزن، وقد ذكر عن ابي مروان الخزاعي قال، قلت لمجاهد، رجل من اهل الشرك بيني وبينه قرابة ولي عليه مال ادعه له، قال نعم، وصله وبه ناخذ فنقول، لا باس بان يصل المسلم المشرك قريبا كان او بعيدا محاربا كان او ذميا لحديث سلمة بن الاكوع حيث قال صليت الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت مس كف بين كتفي فالتفت فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ” هل انت واهب لي ابنة ام قرفة” قلت، نعم، وفى النهاية فإن أسانيد هذه القصة كلها ضعيفة لا تصح، وما ذكر من التمثيل بها وشقها نصفين، ففيه نكارة ظاهرة، فلا يجوز نشر هذه القصة إلا من باب التحذير منها.
وهكذا كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بناحية بوادي القرى، على سبع ليال من المدينة المنورة في شهر رمضان فى السنة السادسة من الهجرة، فقالوا خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشأم ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان دون وادي القرى لقيه ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم، ثم استبل زيد وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إليهم فكمنوا النهار وساروا الليل، ونذرت بهم بنو بدر ثم صبحهم زيد وأصحابه فكبروا وأحاطوا بالحاضر وأخذوا أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر، فكان الذي أخذ الجارية مسلمة بن الأكوع فوهبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك لحزن بن أبي وهب، وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة.
وهي عجوز كبيرة، فقتلها قتلا عنيفا وقيل ربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها، وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسايله فأخبر بما ظفره الله به، وأم قرفه، هى التي جرى فيها المثل، أمنع من أم قرفة لأنها كانت يعلق في بيتها خمسون سيفا الخمسين فارسا كلهم لها ذو محرم واسمها فاطمة بنت حذيفة بن بدر كنيت بابنها قرفة قتله النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل أن زيد عندما بعثه النبى صلى الله عليه وسلم، في السرية فقال لهم، اكمنوا النهار وسيروا الليل، فخرج بهم دليل لهم، ونذرت بهم بنو بدر فكانوا يجعلون ناطورا لهم حين يصيحون فينظر على جبل لهم مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يأتون منه، فينظر قدر مسيرة يوم فيقول، اسرحوا فلا باس عليكم هذه ليلتكم.
فلما كان زيد بن حارثة وأصحابه على نحو مسيرة ليلة أخطأ بهم دليلهم الطريق، فأخذ بهم طريقا أخرى حتى أمسوا وهم على خطأ، فعرفوا خطأهم، ثم صمدوا لهم في الليل حتى صبحوهم، وكان زيد بن حارثة نهاهم حيث انتهوا عن الطلب، فقال ثم وعز إليهم ألا يفترقوا، وقال لهم إذا كبرت فكبروا، وأحاطوا بالحاضر ثم كبر وكبروا، فخرج سلمة بن الأكوع فطلب رجلا منهم حتى قتله، وقد أمعن في طلبه، وأخذ جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر وجدها في بيت من بيوتهم، وأمها أم قرفة، وفى رواية أنها قتلت فى حروب الردة مع أولادها وهى تحارب مع طليحة الأسدى ضد المسلمين وهى، وذكر أن سائر بنيها وهم تسعة قتلوا مع طليحة بن بزاخة في الردة وهم حكمة وخرشة وجبلة وشريك ووالان ورمل وحصين وذكر باقيهم وذكر أن قرفة قتلت يوم بزاخة أيضا وذكر عن عبد الله بن جعفر أنه أنكر ذلك وهو الصحيح كما في هذا الكتاب، وإن الغريب فى الأمر هو أن القوم مع تصديقهم للروايات الكاذبة يصدقون أمر القتل ولا يصدقون أن المرأة هى من بدأت الحرب وجهزت رجال أسرتها للحرب واشتركت معهم فيها.

التعليقات