السبت - الموافق 08 مايو 2021م

الدولة والمجتمع المدني , الأمر ليس على مايرام بقلم: إبراهيم محمد

تتقدم المجتمعات بقدر مساحة الحرية المتاحة لمواطنيها ومنظماتها الأهلية , وقد شهدت السنوات الأخيرة جهودا من مختلف الحكومات لغلق المساحات التي تنشط فيها منظمات المجتمع المدني , هذا القطاع الذي يدعي ” المجتمع المدني , القطاع الثالث , المنظمات غير الربحية , القطاع المستقل ” هو الدعامة الحقيقية القادرة على مساعدة الدول والجكومات والشعوب على النهوض ولعب أدوار فعالة في عالم يسوده القتل والدمار .
وعلى النقيض فالدول التي لا تسمح بتواجد منظمات مجتمع مدني قوية أو تواجدها بشكل صوري دائما ما تعاني مشاكل عدة أهمها العنف والقبلية والطائفية , غير أن هناك أبعاد أخرى منها المشاكل الاقتصادية والثقافية والتنموية والتي يساهم في حلها القطاع الأهلي بشكل كبير والنهوض بعجلة التنمية ودفعها نحو التحرر من التبعية .
المستبدون يخشون المجتمع المدني :
فالنظم الاستبدادية والهمجية دائما ما تهاجم منظمات المجتمع المدني وتتخذ إجراءات وتدابير قانونية وتنظيمية لتقويض عمل تلك المنظمات وتفرض القيود عليها بل وتنزعها القدرة على التغيير والعمل على الأرض وتضطرها للانسحاب , وتعد العقبات المقيدة لعمل منظمات المجتمع المدني هي المؤشر الوحيد على قلق الحكومات من قوة تلك المنظمات في التغيير لكن ما لا تدركه تلك الحكومات هو أن المنظمات تسعى لتطوير حياة البشر ونقلهم عبر القنوات الشرعية لحياة أفضل والتأثير في المجتمع والاشخاص لتطوير الادوات اللازمة للسعى نحو التطور والتنمية المستدامة .
تؤثر العقبات على منظمات المجتمع المدني بغض النظر عن ميادين العمل التي تقلق الحكومات كحقوق الإنسان ودعم الديمقراطية , غير ان العديد من تلك العقبات القانونية يخالف الدساتير والمواثيق الدولية في فتح المجال العام والعمل على تدعيم منظمات المجتمع المدني , لكن يأتي إصرار الحكومات على إصدار قوانين مكبلة للعمل الأهلي ليكون غطاء للتنكيل والتضييق على كافة المنظمات العاملة في المجتمع ومن أمثلة تلك القوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب أو مكافحة التطرف أو حتى قوانين عمل المنظمات الأهلية . ويأتي الدور الذي تلعبه الدولة في توليد طاقة سلبية تجاه المجتمع المدني وتضييق الخناق على عملها بهدف السيطرة الكاملة على أدوات ومنافذ التمويل والتي يلعب هاجس المؤامرة في الحس الأمني الدور الأكبر منها , والعديد من دول العالم الثالث تمارس تلك القيود خوفا من التغيير في نظم الحكم أو حصول المواطنين على مزيدا من الحقوق من خلال حملات المناصرة وكسب التأييد وحملات التثقيف السياسي والعمل نحو دعم الديمقراطية .
مبررات ولكن :
تعد المبررات التي تقدمها الحكومات –أي حكومات – والتي تفرض قيودا على المجتمع المدني كثيرة ومبالغ فيها , وتزعم الحكومات بضرورة اتخاذ تلك التدابير كوقاية من خطر المجتمع المدني من وجهة نظرها بالطبع وياتي الأمن القومي في طليعة المبررات , وتمنع المنظمات من أداء دورها وتغلق المقرات ويمنع العاملين في المجتمع المدني من السفر ويقدم البعض للمحاكمة بصورة عاجلة , وعلى الجانب الآخر يستشري الفساد في كافة قطاعات الدولة .
في السنوات الأخيرة دافعت الحكومات عن سن القاونين والتدابير القانوينة التي تعوق عمل منظمات المجتمع المدني بدعوى تحقيق الشفافية والمساءلة للمنظمات غير الحكومية , على الرغم من توافر تلك التدابير في المنظمات الحكومية نفسها , كما أدعت الحكومات ضرورة فرض قيود وتدابير لتنسيق الأنشطة للمنظمات غير الحكومية بدعوى تفعيل المنظمات للوصول إلى التكامل والتناغم في العمل الأهلي رغم أن هذا التنسيق في ظاهره يسعى للتكامل في العمل الأهلي إلا أنه يسعى للسيطرة الكاملة من قبل الدولة على المجتمع المدني , مبرر أخر أكثر شيوعا وهو استقلال وسيادة الدولة وعدم فرض الشروط الخارجية أو التدخل الأجنبي وتقديم التمويل للمنظمات الداعمة للارهاب وبالتالي يكون لدى الدولة مبرر للتضييق على منظمات المجتمع المدني .
سعي الحكومات لتنظيم عمل المجتمع المدني لا يعني بالضرورة التضييق على تلك المنظمات وفرض القيود , فالمجتمعات الديمقراطية الصحية هي التي تسعى لتقوية منظمات المجتمع المدني لانها هي الحائل بين العمل في العلن وتحت أعين المجتمع و الدولة لديها القدرة على محاسبتها و مقاضاتها طبقا لاحكام القانون أو العمل تحت الأرض الأمر الذي يعزز البيئة الخصبة للارهاب والتطرف وهدم المجتمع .

دولة حراس الليل :
يجب على الدولة أن لا تكون ” دولة حراس الليل ” , عليها أن تترك قدرا من الحرية للمنظمات للعمل بل إنه من الضروري إلى حد كبير تطوير أشكال جديدة من السياقات وتفعيل المجتمع المدني . فمن خلال تشجيع مشاركة المجتمع المدني فقط وتنظيم التفاوض يمكن كسر الجمود الذي يصيب المجتمع , ويظل واجب الدولة ان تربط المصالح العليا بمواضع الخلاف في شبكة تفاوضية للوصول إلى حلول مناسبة في كافة القضايا سواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها .
ماذا علي الدولة أن تفعل ؟
على الدولة وهي تسعى نحو تنظيم عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية أن تكون واعية بخطورة اغلاق المجال العام أمام المتنفس الوحيد والشرعي أمام عودة الدولة لكامل عافيتها وقوتها , المجتمع المدني يساهم في بناء الدولة وليس هدمها, وعلى الحكومات أن تعي ضرورة تطوير القنوات الشرعية أمام الحوار المجتمعي وضرورة مشاركة الفاعلين الحقيقيين واستيعاب الجميع ضمن أطراف الحوار المجتمعي والسعي نحو تطوير التشريعات التي تساعد في الحد من الظواهر المجتمعية الخطيرة كالتطرف والطائفية والارهاب , الحوار الدائم هو الطريق المناسب لريعان الدولة وعودة قوتها الحقيقية بعيدا عن الانهيار الكامل نحو غلق المجال العام .
ومن واجب الدول تعزيز كرامة وحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي نصت عليها المواثيق الدولية فهي الضمانة الحقيقية نحو بناء دولة القانون , والالتزام الايجابي بحماية منظمات المجتمع المدني والامتناع عن التدخل والسيطرة على القطاع الأهلي , وتطوير الأداء التشريعي وإعادة النظر في القوانين المكبلة للمنظمات بما يسمح بتسيير العمل بشكل يدعم المجتمع المدني , ويساعد على تهيئة البيئة للمنظمات غير الحكومية ليكتمل الضلع الثالث للحكومة والقطاع الخاص .
سيظل الجدل الدائر بين حق امتلاك الدولة لفرض سيطرتها وقدرتها على إدارة وتنظيم المجتمع المدني وبين تطوير القنوات الشرعية والتشريعات التي تسمح ببناء مجتمع مدني قوي هي العلامة الفارقة بين السعي نحو البناء على أسس سليمة والبناء على أسس عشوائية , وعلى الدولة أن تسمح بتوفير البيئة التي تخدم المواطنين فموت المجتمع المدني يعد موتا اكلينيكيا للدولة.

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك