الخميس - الموافق 07 يوليو 2022م

الحياة الكريمة في ظل العدالة الاجتماعية .. بقلم الدكتور عادل عامر

العدالة الاجتماعية مبدأ أساسي من مبادئ التعايش السلمي داخل الأمم وفيما بينها الذي يتحقق في ظله الازدهار. والهدف من العدالة الاجتماعية هو توفير الحياة الكريمة لكافة المواطنين فى ظل دولة تحترم الدستور والقانون.

ومن ثَّم فعندما نعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين أو تعزيز حقوق المهاجرين يكون ذلك إعلاءً منا لمبادئ العدالة الاجتماعية. وعندما نزيل الحواجز التي تواجهها الشعوب بسبب نوع الجنس أو السن أو العرق أو الانتماء الإثني، أو الدين أو الثقافة أو العجز نكون قد قطعنا شوطا بعيدا في النهوض بالعدالة الاجتماعية.

فالعدالة الاجتماعية تقوم على مرتكزات أساسية، منها: المساواة، تكافؤ الفرص، الحياة الكريمة والاحتياجات الأساسية لكل مواطن من: غذاء – مسكن – صحة – تعليم – عمل إلى جانب حق الإنسان فى السعادة. والعدالة الاجتماعية يمكن تحقيقها إذا كان هناك من السياسات ما يضمن الالتزام والوفاء بها.

هناك تعار يف كثيرة لمفهوم العدالة الاجتماعية، ومن بين هذه التعريفات والذى يعد تعريفاً جامعاً شاملاً لمفهوم العدالة ذلك التعريف الذى وضعه الفيلسوف الأمريكي ”جون رولز/ John Rawls“- الذي صاغ نظرية العدالة التوزيعية كفلسفة أخلاقية ونظرية سياسية- ،في كتابه الذي أسماه ”نظرية في العدالة – Theory of Justice “،حيث عرفها على أنها:”تمتع كل فرد في مجتمع ما بالمساواة في الحصول على الفرص المتاحة للفئات المميزة“. كما أشار “رولز” إلى أن “الحرية “من المكونات الرئيسية للعدالة الاجتماعية، فالحرية هي حق من الحقوق الأساسية للإنسان التي لا تتحقق العدالة الاجتماعية في غيابها، وهذا ينطوى أيضاً على ان مفهوم العدالة الاجتماعية لا ينفصل عن فكرة حقوق الإنسان.

أى أن العدالة الاجتماعية بشكل عام هى عبارة عن نظام اجتماعى اقتصادى، يهدف إلى تذليل وإزالة الفوارق الاقتصادية بين طبقات المجتمع الواحد، حيث تعمل على توفير المعاملة العادلة وتوفير الحصة التشاركية من خيرات المجتمع للجميع.

* العدالة عبر التاريخ:

إن مفهوم العدالة متواجد منذ القدم فى الحضارات المختلفة وكانت بداياتها على يد الفيلسوف “أرسطو” حيث يحيل مفهوم العدالة عنده إلى دلالتين: عامة وخاصة، فهو يشير في دلالته العامة إلى علاقة الفرد بالمؤسسات الاجتماعية، وهنا يكون مرادفا للفضيلة بالمعنى الدال على الامتثال للقوانين، فالإنسان الفاضل هو الذي يعمل وفقا للقانون، شريطة أن يكون هذا القانون مبنيا على أساس مبدأ الفضيلة.

ومع ذلك فإنه لابد من الإشارة إلى وجود فرق طفيف بين مفهوم العدالة الكونية ومفهوم الفضيلة من حيث أن الأولى تقتصر على العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، بينما تشمل الثانية علاقات الأفراد فيما بينهم. وأما العدالة بالمعنى الخاص فتدل على ما ينبغي أن يكون عليه سلوك الفرد في تعامله مع غيره من أفراد المجتمع. كما يعد إنسان وادي الرافدين أقدم مشرعي إحكام العدالة، اذ أن الشرائع العراقية القديمة تسبق اقدم ما هو معروف من شرائع وقوانين في سائر الحضارات الأخرى كالفرعونية والإغريقية والرومانية بعشرات القرون. فقد وضع الإنسان العراقي القديم تصوراته لموضوع العدالة والظلم في صميم نظرته للآلهة والكون والإنسان. فارتبطت العدالة لديه بالنظام مثلما ارتبطت قيم الخير كلها به، وارتبط الظلم بالفوضى مثلما ارتبطت قيم الشر كلها به. ولأن إنسان وادي الرافدين أدرك علاقة الشمس بنشاطات الحياة المختلفة، فقد عدها إلها للحق والعدل، ومزيلاً للغموض، وكاشفاً للحقائق. فإله العدالة هو إله المعرفة نفسه.

* أنماط العدالة:

هناك جدل كبير حول طبيعة العدالة وجوهرها وأشكالها، سواء في الأحاديث العامة او في العمليات النفسية. فالعدالة لها مضامين دينية وفلسفية واجتماعية متـنوعة، تتضح من أنماطها التالية التى تتمثل فى أربعة أنماط لم يتم الخروج عنها طوال التأريخ البشري:

أولاً – عدالة الحاجات (العدالة الماركسية) Justice of Need Marxian

يتم بموجبها توزيع الموارد بين الأفراد على أساس تلبية أكثر حاجاتهم إلحاحاً، بصرف النظر عن مدخلاتهم أو أدائهم، ودون الأخذ بمبدأ التكافؤ. مثال ذلك الأسرة، إذ يقوم الأفراد البالغون فيها بتوزيع الموارد التي يكسبونها على الآخرين طبقاً لحاجاتهم لا لمدخلاتهم.

ثانياً – عدالة التكافؤ Justice of Parity

تظهر هذه العدالة لدى الأفراد المنتمين إلى جماعة معينة، ممن يدركون أنفسهم بوصفهم وحدة واحدة، إذ يشترك الجميع في تقاسم المخرجات بالتساوي: (الفرد من أجل الجماعة، والجماعة من أجل الفرد).

ثالثاً – عدالة الأنصاف Justice of Equity

تبرز في مواقف الاعتماد المتبادل، كما في السوق، حيث يعمل الفرد على تحقيق الإنصاف بين مخرجاته واستثماراته.

رابعاً – عدالة القانون Justice of Law

تعني أن العدالة ليست أكثر أو أقل مما يقرره ممثلو السلطة القانونية للمجتمع. ويمكن توظيف الأسس التي تقوم عليها أشكال العدالة الثلاثة السابقة، في تطوير القوانين وتقويمها وتعديلها. ولكن ما أن يُسن القانون، حتى يصبح المحدد الوحيد لاستحقاقات الفرد في موقف معين، بصرف النظر عن حاجاته واستثماراته ومدخلاته وآرائه.

* الفارق بين العدالة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية:

مفهوم الرعاية الاجتماعية ينطوى على إحداث تغييرات إيجابية فى المجتمعات .. هذه التغييرات تؤدى بدورها إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. فالرعاية الاجتماعية هي: نظام لإحداث التغيير وهدف إلى تأمين مستوى مناسب من الحياة لكافة أفراد وجماعات المجتمع. وقد تطور مفهوم الرعاية الاجتماعية من مجرد الرعاية بالنسبة للفقراء إلى مفهوم الرعاية كحق من حقوق المواطنين الغني منهم والفقير، كما تحول إلى فكرة أخلاقية بل وإنسانية عما كان عليه فى الماضى.

ونجد أنه من بين خصائص الرعاية الاجتماعية التي تبلور مفهومها فى العصر الحديث التالي:

– خاضعة للتنظيم الرسمي.

– تعتبر مسئولية من المسئوليات.

– تستبعد دوافع الربح من خدماتها.

– تتسم بالشمول والتكامل.

المزيد عن الفرد و التفاعل الاجتماعي مع الآخرين ..

أما برامجها (برامج الرعاية الاجتماعية) فتشمل على:

الأمن الاقتصادي وتوفير فرص العمل وتشمل:

– المساعدات العامة، التأمينات الاجتماعية و التدريب المهني.

– البيئة الاجتماعية والإسكان وتشمل:

الإسكان و حماية البيئة.

الخدمات الصحية الوقائية العلاجية والإنمائية وتشمل:

خدمات الصحة العامة، العلاج الطبيعي، التأمين الصحي والخدمات الاجتماعية الطبية.

النمو الشخصي والاجتماعي ويشمل:

– المشاكل النفسية والاجتماعية، رعاية الأسرة، رعاية الشباب ورعاية الفئات الخاصة (الصم والبكم والمكفوفين)، رعاية المسنين.

– الخدمات التعليمية في المجال التربوي.

* كيفية تعزيز (تحقيق) العدالة الاجتماعية:

يتطلب تحقيق العدالة الاجتماعية توافر العديد من العوامل والمقومات .. من بين هذه المقومات:

– المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص.

– الحاجة إلى نمط جديد للتنمية:

هذا النمط لابد وأن يقوم على أهداف تلبي احتياجات الناس ألا وهو التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مجتمعة، والحد من التباينات الأساسية بين التمويل (ويقصد به الاستثمار في أسواق المال) والاقتصاد الحقيقي، وبين الأغنياء والفقراء، وبين رأس المال والعمال، وتحقيق هدف العمل اللائق لجميع النساء والرجال وانتهاج سياسات عامة تعالج جذور النمو غير المجدي، من خلال تدعيم إطار استثمار منتج، وجعل النظام المالي في خدمة الاقتصاد الحقيقي، وتطوير أسواق العمل كي تصبح أسواقاً شاملة وعادلة.

– التوزيع العادل للموارد والأعباء.

– توفير الضمان الاجتماعي:

يضمن توسيع نطاق مظلة التأمينات الاجتماعية القائمة على الاشتراكات وإعانات البطالة، وإرساء أرضية حماية اجتماعية لأكثر الناس استضعافاً لا تقف عند الوصول إلى الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل وأن تسعى باستمرار إلى تلبية الحقوق.

– إعادة النظر في السياسة الضريبية:

بعد أن تثبت فشل الرؤية التقليدية التي تقوم على خفض الضرائب، وعدم الإفراط في تدرجها للحفاظ على الميزان المالي وفرص الاستثمار، والتي كان من نتائجها زيادة التباينات في الحصول على الحماية الاجتماعية، بينما فشلت في رفع مستويات الاستثمار. وتبنى سياسات ضريبية أكثر تدرجاً بغية تمويل البرامج الرئيسية مثل التعليم والحماية الاجتماعية وتهيئة بنية أساسية كثيفة العمالة، وسيدعم هذا الأمر في الوقت نفسه أهداف إعادة التوزيع.

أى أن الطريق إلى العدالة بشكل موجز: يحظر التمييز، ويوفر الفرص بتكافؤ، ويكفل التوزيع العادل للموارد والأعباء، ويوفر الحماية الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، ويوفر السلع والخدمات العامة للفئات التي تحتاجها، كما تتم مراعاة العدالة بين الأجيال والمناطق، والانتقال بالعدالة من مجرد شعار إلى برنامج عمل.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك