الثلاثاء - الموافق 16 أكتوبر 2018م

الحجاب فريضة إلهية في كل الكتب السماوية .. بقلم: هند درويش

 

أننا نعيش في زمن تشن حرب شعواء على المرأة المحجبة، فلماذا كل هذه الحرب على الحجاب؟!! فمن المدهش حقاً أن ترى الدول التي تنادي بالحريات، والديمقراطية وحرية الرأي، هي من تقف بكل قوتها وتشن حملات عدائية ضد المحجبات في كل أنحاء العالم، فأليس من حرية المرء أن يرتدي ما يروق له ؟ أليس ذلك من مقتضيات الحرية ؟! ولكن الحرية عندهم تنحصر في عكس ما شرع الله، الحرية عندهم هي أن تتبع الهوى وترك ما أنزل الله، بزعمهم أن الحجاب يحد من حرية المرأة ويحط من إنسانيتها، فهل يعلم هؤلاء أن الحجاب ليس فريضة في الإسلام فقط ؟!! بل هو فريضة في كل الكتب السماوية، وأن الإسلام هو رسالة كل الأنبياء، فعندما بعث الله النبي بالرسالة آمن به فريق من أهل الكتاب وقالوا ” الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ” (القصص:52-53). وإنما جاءت بعثة النبي لإتمام مكارم الأخلاق ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” فإذا كان النساء في الأمم السابقة يتمتعن بالعفة والحياء، فمن المنطقي أن تكون النساء المسلمات مثلهن أو أكثر منهن حياء.

يقول سبحانه وتعالى: ” وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ ………….” (النور: 31). تفسير الوسيط: الخمار: وهو ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها وصدرها، والجيوب جمع جيب، وهو فتحة فى أعلى الثياب، والمرادهنا أعلى الصدر، والمقصود بالزينة: كل بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين. وعن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول :” لما نزلت هذه الآية ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) أخذن أُزُرَهن (نوع من الثياب) فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها ” . (رواه البخاري). قال تعالى: ” وعن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث,… وقلت يا رسول الله أن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر, فلو أمرتهن أن يحتجبن ؟ فنزلت آية الحجـاب (رواه البخاري ). فإن الله سبحاته تعالى عندما أنزل آية الحجاب، كان يريد أن يجعل المرأة المسلمة متميزة عن المرأة في الجاهلية بعفتها وحيائها، فكلما ازدادت المرأة إيمان ازداد حيائها، فأراد الله للمرأة المسلمة حمايتها من التعرض للأذى من قبل الفساق والكافرين، يقول سبحانه وتعالى: ” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ” (الأحزاب: 95). والإدناء في اللغة: هو إرخاء الحجاب من أعلى شيء إلى أسفل شيء، فالله سبحانه وتعالى بدأ الأمر من عند الرجل، أي أن على الرجل أن يبلغ زوجته وأهل بيته ويحثهم على اتباع ما أمر الله ورسوله، فإن الله ورسوله لا يقضوا أمراً إلا وفيه الخير للمسلمين، فهو الذي خلقنا ويعلم ما فيه الخير لنا أكثر من أنفسنا، وهذا ما أسفرت عنه دراسة علمية بجامعة Westminster نشرت في المجلة البريطانية لعلم النفس أن الفتاة المحجبة تتمتع بقدر كبير من احترام الذات والإحساس بالأمان(*)، فسبحانه القائل: ” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ” (الأحزاب: 36).

وهذا الأمر الإلهي بفرضية الحجاب لم يكن في القرآن فحسب، إنما جاء في التوراة والإنجيل أيضاً، فإن هذا الأمر الإلهي كان موجهاً لنساء بني إسرائيل، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون نساء بني إسرائيل متميزين عن ” الوثنيات ” فقد جاء في (مدراش سفر العدد 5/18) في بيان سبب كشف الكاهن شعر المرأة وإرساله: (لأنّ من عادة بنات إسرائيل أن تكون شعورهن مغطّاة, وبالتالي فإنّه لمّا يَكشف شعر رأسها, يقول لها: (لقد فارقتِ سبيل بنات إسرائيل اللاتي من عادتهن أن تكون رؤوسهن مغطّاة, ومشيتِ في طرق النساء الوثنيّات اللاتي يمشين ورؤوسهن مكشوفة” ويعلق الناقد ” أتّو كايزر” بقوله: إنّ ذلك يعني أنّهن سَيَسْفُلن إلى مرتبة الإماء, وسيُؤخذن كأسيرات حرب، وفي ذلك تعبير شديد على إدانة السفور وربطه بالعادات الوثنية المرذولة!

كما أكد العديد من أعلام فقهاء اليهود أن على المرأة أن تغطي رأسها بناء على القاعدة التشريعية اليهودية المسمّاة (لفني عيور). لأن المرأة بابتذالها في اللباس تقود الرجل إلى أبواب الخطيئة. بل تعدى الأمر ذلك إلي النظر إلي الرجل الذي يسمح لزوجته بالخروج بدون غطاء رأس على أنه رجل ديوث لا يغار على أهل بيته ” قال الحبر (حزقياهو): ” لتكن اللعنة على كلّ رجل يسمح لزوجته أن تكشف شعرها. هذا جزء من عفّة الأسرة ” (Zohar III, 125b). قال الحبر ((ششث)) في التلمود صراحة: (شعر المرأة عورة).

كما ذكر الحجاب في العهد الجديد حيث جاء في رسالة بولس الأولى إلى (كورنثوس 11/4-10) ” كل امرأة تصلي أو تتنبأ، وليس على رأسها غطاء، تجلب العار على رأسها، لأن كشف الغطاء كحلق الشعر تماما. فإذا كانت المرأة لا تغطي رأسها، فليقص شعرها! ولكن، مادام من العار على المرأة أن يقص شعرها أو يحلق، فلتغط رأسها ” صرّح ((بولس)) في النص السالف أنّه لا يجوز للمرأة أن تكشف شعرها داخل الكنيسة إذا كانت تصلّي أو تتنبّأ، وجاء في ( تيموثاوس 2/9-10): (كما أريد أيضا، أن تظهر النساء بمظهر لائق محشوم اللباس، متزينات بالحياء والرزانة، غير متحليات بالجدائل والذهب، بل بما يليق بنساء يعترفن علنا بأنهن يعشن في تقوى الله، بالأعمال الصالحة ). ويقول (ترتليان) الذي عرف بأبي الكنيسة اللاتينية في كتابه: (حول حجاب العذارى) إنّ على العذراء أن تلبس الحجاب في الشارع كما في الكنيسة دون فارق, كما أنّها مطالبة بالحجاب من أجل الملائكة, فهي كذلك مطالبة به من أجل الرجال حتى لا يفتنوا بها.

وكان النساء في الإمبرطوراية الرومانية يغطين رؤوسهن دلالة على أنهن نساء محترمات، وكن يلبسن إما النقاب أو غطاء رأس, وهن في ذلك يعلمن من يراهن من الرجال أنّه لا يجوز لهم الاقتراب منهن, وأن أي فعل متعد منهم سيكلّفهم عقوبة زاجرة. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أن زوجات الملوك كانت محتجبة فذلك دليل على العزة وعلو المكانة، ويقول في ذلك أقدم مؤلفي اليونان ” بنيلوب ” امرأة الملك عوليس ملك جزيرة إيتاك كانت تظهر محتجبة. فحجاب المرأة وسترها من نعيم الجنة أيضاً، فإن لله سبحانه وتعالى جعل من نعيم الجنة للرجل بأن يرزقه حور عين ” زوجات جميلات ” لا ينظرن إلا إلي أزوجهن ولا يريدن غيرهن ” حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ” ( الرحمن: 72) أي محفوظين ومستورين عن الأعين في الخيام إلا على أزوجهن، وفي تفسير الوسيط: ومقصورات:أى: محتجبة في بيتها. قد قصرت نفسها على زوجها، وفي آية أخرى عِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * (الصافات: 48-49). أي المصون كالؤلؤ في أصدافه ” وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ” (الواقعة: 22-23)، فهذا من نعيم الجنة للرجال لأن من المعروف أن الفطرة في الرجل أن لا يحب أن تنظر زوجته إلي غيره، ولا يحب أن ينظر إليها الغرباء، فشعر المرأة زينة لنفسها ولزوج فقط وليس لعامة الناس، لذلك أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من ضمن الثلاثة التي لا ينظر الله لهم يوم القيامة الرجل الديوث: أي الذي لا يغار على أهل بيته ” ثلاثة لاينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة :العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المشتبهة بالرجال، والديوث) (حديث صحيح). ” صنفان من أهل النار لم أرهما :…ونساء كاسيات عاريات، مميلات ما ئلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائله، لا يدخلن الجنه ، ولا يجدن ريحها، وان ريحها من من مسيرة كذا وكذا” (رواه الترمذى).

ومما سبق نستنتج أن الأصل والفطرة للمرأة هو الحجاب في جميع الكتب السماوية، لأن الله جعل المرأة زينة كلها، ولأنها زينة فيجب حمايتها والحفاظ عليها كالؤلؤ في أصدافه، بل وأراد الله أن يكرمها ويميزها عن المرأة غير المؤمنة التي تناقض فطرتها السليمة بأن تسمح للغرباء أن يروا زينتها ومفاتنها فقد جاء في (الدسقوليّة): (إن أردتِ ان تكوني مؤمنة ومرضية لله فلا تتزيني لكي تُرضي رجالاً غرباء…….. لا تشتهي لبس المقانع والثياب الخفيفة التي لا تليق إلاّ بالعاهرات).
إذن هل علمتم من الذي يشن هذه الحملات العدائية ضد الحجاب ؟ هم العلمانيين اللادينيين الذي ينادوا بالقضاء على الأديان حتي نميل ميلا عظيما عن طريق الحق، ونشوه الفطرة النقية التي أودعها الله فينا ونتبع اهوائنا مثلهم مصدقا لقوله تعالى: ” وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ” (النساء: 27). يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ: أي يعبدون أهواءهم، فهم الذين اتخذوا هواهم إلههم ” أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ” (الجاثية: 23). لأن هؤلاء العلمانيين اللادينيين لا يؤمنون بالدار الآخرة، فهم يروا أن عليهم أن يحيوا في الدنيا ويستمتعوا بها كما تهوى أنفسهم دون تقيد بمنهج إلهي ” وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ” (الأنعام: 29). ولكي نصبح مثلهم كافرين بما أنزل الله، وكي لا يكون هناك سمة تميز المؤمنين بالله عنهم ” وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ” (النساء:89). لذلك نجد المنافقين من بني جلدتنا، هم الذين يصدون عن سبيل الله ويشككون الناس في فرضية الحجاب ويدعون أنه عادة وليس عبادة، فلقد أخبرنا الله بصفات هؤلاء لنحذرهم ” وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ” ( النساء: 61). فالمنافقين هم بوق صدى لدعاوي الكافرين، وهم الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ليضلوا الناس عن سبيل الله ” مِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ” ( الحج:8). ظناً منهم أنهم بهذه الدعاوي الكاذبة سيطفؤا نور الله ” يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ” (الصف: 8). لذلك وعد الله المنافقين والكافرين أن يجزيهم من نفس الجزاء ” إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ” ( النساء: 141).

ولتعلم كل من تميل إلي تصديق هذه الدعاوي الكاذبة أن الله يستبدلهم كل يوم بمن هم أفضل منهم، فنجد اليوم أعداد كبيرة من النساء في الغرب تفتخر بحجابها بل وتدافع عنه وتدعو الناس إلي دين الإسلام، كالدكتورة والكاتبة الأمريكية ” كاثرين بولوك ” التي قامت بتأليف كتاب نظرة الغرب إلي الحجاب والتي تناولت فيه قصص وتجارب النساء في الغرب مع الحجاب ومدى سعادتهم به، وأوضحت في كتابها الآيات القرآنية والأحاديث التي تؤكد فرضية الحجاب فسبحانه القائل: ” وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم” (محمد: 38). فالله الغني عن عبادتنا جميعا ونحن إليه الفقراء، فالذي يهتدي يهتدي لنفسه، ومن يضل يضل لنفسه ” مَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ” (الزمر: 41). فلنتمسك بحجابنا رمز عفتنا وحيائنا إرضاءاً لربنا، فمن كانت نيته رضى الله رضا عنه وأرضاه ” إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ” (البينة:8).

المصادر:
(*), http://onlinelibrary.wiley.com/…/10.1111/bjop.12045/abstract , August 2014.
بقلم: هند السيد درويش
ماجستير في التفكر في القرآن الكريم وعلاقته بالتفكير الإبداعي

 

التعليقات