الإثنين - الموافق 18 يناير 2021م

التوافق بين متطلّبات المجتمع، و أدوار الأفراد فيه .. بقلم : الدكتور عادل عامر

تلعب اتجاهات الوالدين نحو الزواج والأطفال ومهمات الزواج وفلسفتها دوراً كبيراً في طرق تنشئة الأبناء فبعض الآباء لديهم اتجاهات إيجابية نحو بني البشر ونحو الأطفال، ونحو الزواج والإنجاب، وبعضهم الآخر يكون على العكس من ذلك، حيث قد يكون مثقلا بمتاعب الحياة وبالمشكلات الاقتصادية والنفسية، الأمر الذي يجعله ينظر إلى الحياة والأطفال والأسرة بمنظار أسود، فتسود معاملته لزوجته ولأبنائه و يهمل متابعتهم في المدرسة فيتشردون ويصبحون عرضة للانحراف.

إن الاتجاهات الجيدة عند الوالدين عن الزواج وعن الحياة الأسرية يجعل الزوجين متفائلين ومندفعين نحو العمل الدؤوب لتكوين أسرة صالحة تعتز بنفسها في المجتمع، فهما يكدان لتعليم الأولاد ويشعروا بالسعادة إن بعض الآباء لديهم اتجاهات سلبية اتجاه أبنائهم المعاقين ويتمنون أن لا يكون لديهم هؤلاء الأبناء فيسيئون معاملتهم، الأمر الذي يزيد من مشكلاتهم ومتاعبهم.

لا شك أن اتجاهات الوالدين نحو الوالدية نفسها، له أثر كبير على نمو الأطفال الاجتماعي وتأخذ تلك الاتجاهات صوراً وإشكالا متنوعة: ـ قد يكون اتجاه الوالدين أو أحدهما نحو الوالدية على أنها مسؤولية لا طاقة لها باحتمالها ويظهر هذا الاتجاه عند ميلاد الطفل الأول. ـ قد يحدث أن يصبح الطفل في نظر أمه عبارة عن مركز انتباهها. وهكذا تتحول حياتها وحبها من الزوج إلى الطفل.

ـ وقد نجد الآباء يفخرون لأنهم أزواج وآباء لأطفال، يجدون من صفة الزوجية مزايا كثيرة. ـ كما أن اتجاهات الوالدين نحو الوالدية تؤثر في معاملتهم لأطفالهم، فإن اتجاهاتهم نحو أطفالهم لها أثر واضح في نموهم وتكوين شخصياتهم.

يتحدد العامل التعليمي في الأسرة على المستوى الإجرائي بمستوى تحصيل الأبوي المدرسي ومستوى الاستهلاك الثقافي ومستوى التفكير وطرقه الشائعة بين الأسرة والميل للقراءة والاطلاع سواء كان في الكتب أو الصحف و الاستماع إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة و الاشتراك في المحاضرات والندوات كل هذا يؤثر في تنمية الوعي الثقافي لدى الأفراد ويعمل على نموهم نمواً هادفاً. حيث بينت الدراسات الجارية في هذا الخصوص أن هناك تبايناً في أساليب التنشئة بين الأسر بتباين المستويات الثقافية للوالدين،

وقد تبين أن الوالدين يميلان إلى استخدام الأسلوب الديمقراطي في التنشئة والى الاستفادة من المعطيات المعرفة العلمية في العمل التربوي كلما ارتفع مستوى تحصيلها المعرفي والتعليمي وعلى العكس من ذلك يميل الوالدين إلى استخدام أسلوب الشدة كلما تدنى مستواها التعليمي. وفي دراستنا الميدانية التي تم إجرائها بإحدى المدن الجزائرية وبالضبط بمدينة الاغواط على عينة من المراهقين والمراهقات بهدف التعرف على الأساليب المتبعة في الأسرة الجزائرية

و ما هي العوامل التي تؤدي إلى اتخاذ أسلوب في التنشئة. تبين القول بأن أساليب التنشئة الأسرية تشهد تحولات وتبدلات كبيرة في المجتمع الجزائري ينحوا بها إلى حضور كبير لأساليب وطرق التنشئة الديمقراطية. والنتيجة المستخلصة من الدراسة والتي تتنافر مع اغلب نتائج الدراسات التي تبحث في ميدان التنشئة الاجتماعية، والتي تؤكد هيمنة التسلط في التنشئة العربية وكذا علاقته بالمستوى التعليمي المتدني، أن التنشئة في الأسرة العربية تنشئة متسلطة تنأى عن القيم الديمقراطية والتسامح، تعزز في الأبناء قيم الطاعة والرضوخ والاستسلام والسلبية وهذا ما تحقق بصور نسبية في استجوابات المراهقين .فقد تبين أن الأسرة المحلية تستخدم أسلوب التسلط، في حين نجد أن الأسلوب الديمقراطي له حيز كبير في الأسر ذات المستوى التعليمي المتدني. لماذا ؟.

ربما يكون إتباع الأسلوب الديمقراطي من قبل الوالدين ذوي المستوى التعليمي المتدني بمن فيهم الأميين ناشئ عن كون الآباء أنفسهم كانت تنشئتهم تتسم بالصرامة من قبل آبائهم، بل إن آباء الآباء (الأجداد) كانوا يعاملون أبنائهم وكأنهم رجال ونساء، وكانت وسائل الضرب والحرمان من الوسائل القارة في عملية التنشئة لذلك يتبع الوالدين عكس هذا الأسلوب الذي اتبع في تنشئتهم بجو الحرية لأبنائهم. إن هذا التغير في عملية التنشئة الأسرية

ربما يكون نتيجة التغير الاجتماعي والتحولات الجديدة باهتزازاتها الحضارية. فكما علمنا فيما سبق أن أسلوب التنشئة يحدد الهوية الاجتماعية للفرد من جهة والمجتمع من جهة أخرى. وهذا أن التنشئة القديمة والتقليدية وأساليبها المختلفة المتداولة بين حاملي الثقافة التقليدية والتي تحكي عن اعتزازها باستخدام العقاب والقهر والقسوة أمام الأبناء.

هذه الثقافة اليوم لا تستطيع مواجهة المد الأسطوري لقيم العولمة التي تهدد منظومة القيم والعادات الجوهرية الخاصة بكل مجتمع. وقد أصبحت العلاقات بين الآباء والأبناء مشكلة تتأثر إلى حد كبير بالظروف الاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية. أو أن هذا التغير في الاهتمام نتيجة للآثار التكنولوجية وشيوع وسائل الاتصال والإعلام المتاحة لكل أسرة خصوصا وأن جل الأسر مجتمع الدراسة ذات المستوى الاقتصادي الحسن، والانفتاح الإعلامي على العالم الخارجي وتوفير أطباق استلام البث الفضائي أو القنوات الإعلامية بدورا ووظيفتها التي تؤديه في عملية التنشئة الاجتماعية وما تقدمه من ثقافات مغايرة وبدائل تربوية مختلفة من خلال البرامج التعليمية والتوجيهية الموجهة للوالدين

أو قد يعود إلى الواقع الثقافي للمجتمع بصفة عامة وللأسرة بصفة خاصة أو على المستوى الإجرائي بمستوى الاستهلاك الثقافي للوالدين ومستوى التفكير وطرقه من خلال مطالعة الكتب والمجلات ومتابعة البرامج الإذاعية والتلفزيونية ذات الطابع التربوي التعليمي الإرشادي.

وممارسة الأنشطة الثقافية والتعرف على التغير والتبدل الاجتماعي المحلي والعالمي آثاره ونتائجه، وموازنة الأسر للتطورات والعقليات الجديدة. وقد يكون من خلال المعايير الثقافية للأسرة أو بمستوى احتكاك وتواصل الوالدين مع بقية الأفراد والمجموعات داخل المجتمع وخارجه، وينعكس من خلالها على آليات التربية والتفاعل العائلي، كل هذا وآخر قد يؤثر في تنمية الوعي الثقافي لدى الوالدين وبالتالي إلى اتخاذ أسلوب محدد في التنشئة.

يقول أحد المفكرين أن « محو الأمية هو تحرير الإنسان من صنوف القهر والتسلط الواقع عليه ». يعني هذا أنه قد يكون المستوى التعليمي للمراهقين أنفسهم والمحدد في مجتمع الدراسة بالمراهقين والمراهقات تلاميذ الثانوية وطلبة الجامعة. هو الذي ينعكس على طبيعة معاملة الوالدين بفضل الوعي والثقافة وبالتالي يكون توجيه غير مباشر في اعتماد المعاملة من طرف الوالدين، ويقول رجال التربية أن الصورة انقلبت وأصبح الولد الناشئ هو الذي يربي الوالد المُنشِأ، والآن أصبحنا نعيش وضعيات جديدة وهي تنشئة الأبناء للآباء خاصة في مجال التعلم الاجتماعي. وبذلك يكون مستوى التعليمي للمبعوثين هو الذي يحدد نوع المعاملة.

وإذا رجعنا إلى التنشئة الاجتماعية نجدها عملية امتصاص تلقائية من المراهق لثقافة المجتمع المحيط به فالابن المراهق يكتسب ثقافة المجتمع من خلال المواقف الاجتماعية المختلفة التي يعترض لها. هذه المواقف التي تتصور في أساليب التنشئة التي تختلف من مجتمع لآخر باختلاف الثقافة السائدة فثقافة المجتمع هي التي تحدد التنشئة المتبعة في كل مجتمع.

ـ المستوى الديني : للوضع الديني للأسرة أثره العميق في تنشئة الأولاد وتربيتهم، فالعلاقة بين أفراد الأسرة والقوة الإلهية تنعكس في درجة الايمان العقائدي، والقيام بالعبادات والتمسك بالشعائر والتحلي بالخلق الحسن في القول والعمل والأخذ بالقيم الإنسانية الفاضلة، وعرض الاتجاه التعاوني بين الناس والحرص على مصالحهم.

إن ذلك كله يدركه الطفل ويحسه من خلال تفاعله في جماعته المتدينة فينمو على نحو يمارس فيه العمل المنتج ويحكم ضميره الذي نما في إطار ديني وخلقي سليم في جميع مواقف الحياة في المجتمع. بينما ينموا الطفل في اتجاه مخالف إذا نشأ في جماعة تهتز فيها القيم الدينية والمعايير الخلقية السليمة، وتنموا معه بذور الشر والانحراف الخلقي الذي تنعكس آثاره في مواقف الحياة في المجتمع.

وهذا المستوى يمكن أو يلزم أن يكون متغير جديد وهام جدا لم تتطرق له الدراسات باستفاضة لذلك أوصي الباحثين في مجال التنشئة وخاصة في وقتنا هذا المتقلب التركيز في البحث عن متغير المستوى الديني الذي أراه وأشاهده وألاحظه في الواقع فارض نفسه على الاتجاهات الوالدية أو على توجيه الوالدين إلى إتباع أسلوب من أساليب التنشئة.

ـ حجم الأسرة : ويقصد به عدد أفرادها، فحجم الأسرة عامل من العوامل المؤثرة في عملية التنشئة الأسرية

.فقد ثبت أن: ـفي أسرة صغيرة الحجم: تزداد قدرة للوالدين على تكريس الوقت والانتباه الكافيين للأبناء. وقدرتهما على إعطاء كل واحد نفس المزايا مع سيادة التحكم في العلاقات، ويظهر التسابق بين الأبناء في تحقيق التفوق الدراسي و الاجتماعي.

ـفي أسرة متوسطة الحجم: حين يزداد حجم الأسرة يظهر التحكم الوالدي بصورة أكثر استبدادية و يمنع الأبناء من العلاقات الخارجية وتتركز ضغوط الوالدين للتحصيل عادة على السابقين في الترتيب الميلادي . ـفي أسرة كبيرة الحجم: تظهر الاحتكاكات الزوجية الراجعة لوجوب التضحيات وتتعين الأدوار بمعرفة الوالدين لضمان انسجام و كفاءة الأسر، ويظهر التحكم الاستبدادي لتجنب الارتباك و الفوضى.

فالأطفال في الأسرة الكبيرة يجدون الأمن في كثرة عدد الأشقاء الذين يشكلون جماعة متماسكة للدفاع عن النفس أو اللعب. ويلاحظ أن الأطفال يتحدثون عن الحرمان العاطفي لأن آبائهم ليس لهم الوقت الكافي لإرضاء الجميع.

وفي المقابل نجد أن أفراد العائلة يشاركون جميعهم في الرعاية الاجتماعية لهذا الطفل أو المراهق، ولذلك نجد الجد و الجدة والأعمام والأخوال وجميع الراشدين يشاركون في التنشئة الأسرية للطفل والمراهق. الترتيب الميلادي: وهناك عامل مهم آخر هو المجال الذي يعيش فيه الطفل إذ يسهم في تكوينه النفسي ونقصد به الإخوة و مركز الطفل فيهم، وما يترتب أحيانا على هذا المركز من تطبيق أسلوب معاملة يختلف من طفل لآخر.

و قد أجريت العديد من الدراسات و البحوث على الترتيب الميلادي للطفل لخطورة وتعقد عملية التفاعل بين الطفل ووالديه مما له أكبر الأثر على العديد من المتغيرات مثل الإبداع و العدوان و الميل الاجتماعي و تقدير الذات و التحصيل الدراسي …الخ.

فقد اتفقت نتائج العديد من الدراسات على أن الوالدين يستجيبان لمولودهم الأول بطريقة تختلف عن تلك التي يستجيبان بها لأطفالهما التاليين في الترتيب، فالوالدين عادة ما تكون علاقتهما بطفلهما الأول على قدر كبير من التفاعل..

والطفل الأخير يشعر بأنه أقل قوة و قدرة على التمتع بالحرية والثقة ممن هم أكبر منه، ولذلك ينشأ شاعراً بنقصه. أما الطفل الوحيد يشبه إلى حد كبير الطفل الأخير، فالطفل الوحيد يحاط برعاية أكبر بكثير من حاجته وهناك مثل من الأمثلة السائدة يقول :” إن الأب يصبح عبداً لولده الوحيد و سيداً لأولاده العديدين “. كذلك يشبه الطفل الوحيد الأنثى الوحيدة مع عدد من الذكور أو الذكر الوحيد مع عدد من الإناث، ولو أن حظ الذكر الوحيد أعلى من حظ الأنثى الوحيدة .

:« إن الطفل الوحيد معوق الى حد كبير، فلا نتوقع منه السير على دروب الحياة بالقدرة على التوافق التي للطفل المنشأ في أسر ذات أطفال آخرين ».

ـ جنس الولد: أن الفروق بين الجنسين متغير هام يجب أخذه في الاعتبار فجنس الولد هو أحد الحقائق البيولوجية وأحد الحقائق الاجتماعية المؤثرة في نمط التعامل بين الوالدين والأبناء، ولقد أكدّت الدراسات أن جنس الولد له تأثير كبير على السلوك الوالدي .

وأساليب المعاملة الوالدية قد تتأثر سلباً أو ايجاباً تبعا لجنس الولد ذكراً كان أم أنثى، وبالتالي تنعكس أساليب المعاملة الوالدية سواء كانت سوية أو غير سوية على شخصية الولد. ومن ثمة تؤثر تنشئة الوالدين لهذا الولد. ويشير سجل التطور الاقتصادي والاجتماعي في البلدان المتقدمة إلى أن اهتمام كل من السياسات التعليمية والاقتصادية بزيادة مجالات التوافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل، أدى إلى زيادة معدلات التفاعل الإيجابي بين اتجاهات التوسع في الطاقات الإنتاجية واتجاهات التراكم في رأس المال البشري، وانعكس بقوة على الارتباط الإيجابي بين معدلات نمو إنتاجية العمل ومعدلات نمو التشغيل، ولعبت حالة النضوج الصناعي والاندماج البنياني والاحتياطي الكافي من مخزون رأس المال البشري، الدور الحاسم في تحقيق هذه النتيجة.

وبفعل تلك التطورات دخلت مؤسسات التعليم العالي في البلدان المتقدمة مرحلة جديدة، تهدف إلى تعميق التداخل بين الفروع العلمية، وتوثيق الصلة مع قطاع الأعمال عبر المشروعات والمؤسسات البحثية المشتركة والمنح والاستشارات، وأسهمت تلك المرحلة في خلق الظروف الملائمة لزيادة مرونة الالتحاق بالتعليم العالي، وإتاحته مدى الحياة، من خلال مؤسسات التعليم المفتوح لتوفير الأجواء الكفيلة بتحفيز العاملين على تطوير كفاءتهم الإنتاجية.

وجاءت هذه التطورات استجابة لتعاظم دور السوق في سياق العولمة، وتعبيراً عن سيادة قيم السوق والمتاجرة وتحول المعرفة إلى سلعة. وكانت لهذه النقلة آثار عميقة، ليس على الجامعات فقط ولكن على البشرية جمعاء وعلى عملية بناء المعرفة ذاتها.

وبشكل عام تتأثر الدرجة التي يتم فيها التوافق بين مخرجات النظام التعليمي وسوق العمل على المدى القصير بالتغيرات في حالة النشاط الاقتصادي، والتغيرات في توجهات السياسة الاقتصادية، ومدى مرونة السياسة التعليمية في مواكبة التطورات في سوق العمل، أما على المدى الطويل فإنها تتأثر بمجموعة معقدة ومتشابكة من العناصر والعلاقات والمتغيرات، التي تعكس وإلى حد بعيد واقع التنمية الاقتصادية بكل ما يتضمنه هذا الواقع من تغيرات هيكلية إنتاجية ومؤسسية وتنظيمية تكنولوجية وأنظمة سوقية واحتياطات (موردية) استاتيكية وديناميكية.

وتشير ظروف أسواق العمل في كل من الدول المتقدمة والنامية إلى بروز مجموعة من الظروف والمستجدات العوامل التي أسهمت في تعقيد مهمة المواءمة بين النظامين التعليمي والإنتاجي، رغم تفاوت حدتها وأبعادها بحسب التفاوت في قوة أو ضعف الاقتصاد وطبيعة السياسات التعليمية والسياسات الاقتصادية المستخدمة ومستوى التراكم في رأس المال البشري، والشوط الذي قطعته عملية التنمية في مراحلها المختلفة،

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك