الإثنين - الموافق 25 يناير 2021م

التسامح وقبول الثقافات الأخرى .. بقلم : الدكتور عادل عامر

الرغبة بالتسامح والتعايش والتعددية وقبول الثقافات الأخرى، تقود الشعوب المختلفة في الفكر والدين والثقافة إلى التفاهم واحترام القيم والمبادئ الإنسانية؛ في سبيل بناء الجسور بين الثقافات والحضارات المختلفة. هذا فضلاً عن أنّها تغني القيم الدينية السامية والفطرة الإنسانية السليمة،

والتي هي بالأساس الشرط الضروري لنبذ التعصب والحروب ومحاربة الجهل، وصولاً إلى مجتمعات بشرية متوازنة، متحابة، تستبدل سياسة العنف والتطرف بأهداف إنسانية عظيمة، تحقّق للإنسان الرفاهية التي لا مكان لهما في بيئة ضعيفة وضائعة.

الاختلاف هو مشهد من مشاهد الحياة اليومية، لذلك نحتاج إلى التسامح، لكي لا يتحول الاختلاف إلى تباعد بين النفوس، وزرع الأحقاد، والنزاعات، لابد من التسامح حتى يصبح الاختلاف رحمة بين الناس، ويضفي على حياة الناس متعة العيش.

إذ إن إشاعة أجواء السلم والتسامح، والقبول بالآخر وجوداً ورأياً، هي السلاح الفعال في القضاء على ظاهرة العنف البشري. وعليه يجب الانتقال من فكرة الاختلاف الذي يقتضي العنف من خلال تفعيل مفهوم التسامح بشكل عملي إلى جعله مشروعا للتعارف والاعتراف الاختلاف ليس سبباً للجفاء والتباعد والتباين في وجهات النظر، لا يلغي الجوامع المشتركة بين بني الإنسان، وتعدد الاجتهادات ليس مدعاة للنبذ والنفي، وإنما كل هذا يؤسس للانخراط في مشروع التعارف والفهم المتبادل.

التّسامح مفهوم يعني العفو عند المقدرة، وعدم ردّ الإساءة بالإساءة، والترفّع عن الصّغائر والسُّموّ بالنّفس البشريّة إلى مرتبة أخلاقيّة عالية، والتّسامح كمفهوم أخلاقيّ اجتماعيّ دعا إليه كافّة الرّسل والأنبياء والمصلحين؛ لما له من دور وأهميّة كبرى في تحقيق وحدة، وتضامن، وتماسك المجتمعات، والقضاء على الخلافات والصّراعات بين الأفراد والجماعات، والتّسامح يعني احترام ثقافة وعقيدة وقيم الآخرين، وهو ركيزة أساسيّة لحقوق الإنسان، والديمقراطية والعدل، والحريات الإنسانيّة العامة.

التسـامح بأنه: موقـف ايجـابي متفهم مـن العقائد والأفكـار، يسـمح بتعايش الـرؤى والاتجاهات المختلفة بعيداً عن الاحتراب والإقصاء على أساس شرعية الآخر المختلف سياسياً، دينياً،. وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته

وعليه فإن التسامح يعني قبول واحترام وتقدير التنوع الثري لثقافات عالمنا، وأنماطه التعبيرية المختلفة، وطرق تحقيق كينونتنـا الإنسـانية، فهـو تناسق في الاخـتلاف، وهـو ليس واجـب أخلاقـي فقـط، بل وواجـب سياسـي وحقوقي أيضـا، وهـو فضيلة تعمـل على إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب، وهو ليس مجرد إقرار، ولا مجرد تنازل أو تجاوز، بل هو موقف فعال مدعوم بالاعتراف بـالحقوق العالميـة للإنسـان، والحريـات الأساسـية للآخـرين.

لـذلك لا يتحقـق التسـامح إلا بـاحترام حريـة الآخـر، وطـرق تفكـيره وسلوكه، وآرائه السياسية والدينية. لأن الفكر نفسه يتم التعبير عنه في الواقع، عبر ممارسات وسلوكيات تتعلق بإقرار حرية المعتقد للإنسان الفرد والآخرين، وتفعيل التباين في الرأي والثقافـة والفكـر والمعرفة

إن السلام بمفهومه السلمي هو أمنية ورغبة أكيدة يتمناها كل إنسان يعيش على هذه الأرض، فالسلام يشمل أمور المسلمين في جميع مناحي الحياة ويشمل الأفراد والمجتمعات والشعوب والقبائل، فإن وجد السلام انتفت الحروب والضغائن بين الناس، وعمت الراحة والطمأنينة والحريّة والمحبة والمودة بين الشعوب.

وفي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، عدة قواعد وأحكام ينبني عليها مفهوم السلام، مما يشكل للمسلمين قانوناً دولياً يسيرون عليه، وهذه القوانين والشروط الواجب توفرها حتى يتحقق السلام تظهر في المساواة بين الشعوب بعضها البعض، فالإسلام يُقرِّر أنَّ الناسَ، بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم وألوانهم وألسنتهم، ينتمون إلى أصلٍ واحدٍ، فهم إخوة في الإنسانية ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: “كُلُّكم لآدمَ، وآدم من ترابٍ، لا فضلَ لعربيٍّ على أَعْجَمِيٍّ إلا بالتقوى”

كما أن الوفاء بالعهود، ومنع العدوان، وإيثار السلم على الحرب إلا للضرورة وإقامة العدل والإنصاف، ودفع الظلم، من القواعد الأساسية لتحقيق السلام بين الشعوب والمجتمعات، فلا يعتدي أحدٌ على حق أحدٍ، ولا يظلم أحدٌ أحدًا، فالإسلام يسعى دائما إلى استقرار الأمة الإسلامية، كما يسعى إلى استقرار علاقات المسلمين بالأمم الأخرى.

إن أثر الإسلام في تحقيق السلام العالمي يتجلى في تعزيز التعايش السلمي وإشاعة التراحم بين الناس ونبذ العنف والتطرف بكل صوره ومظاهره، وكذلك في نشر ثقافة الحوار الهادف بين أتباع الأديان والثقافات لمواجهة المشكلات وتحقيق السلام بين مكونات المجتمعات الإنسانية وتعزيز جهود المؤسسات الدينية والثقافية في ذلك.

إن للسلام العالمي شأناً عظيماً في الإسلام، فما كان أمراً شخصياً ولا هدفاً قومياً او وطنياً بل كان عالميا وشموليا، فالسلام هو الأصل الذي يجب أن يسود العلاقات بين الناس جميعاً فالمولى عز وجل، عندما خلق البشر لم يخلقهم ليتعادوا أو يتناحروا ويستعبد بعضهم بعضاً وإنما خلقهم ليتعارفوا ويتآلفوا ويعين بعضهم بعضا، فالإسلام يدعو الى استقرار المسلمين واستقرار غيرهم ممن يعيشون على هذه الأرض. إن هناك دوافع عديدة لتزايد الاهتمام بدعوات التسامح في المنطقة العربية، وهو ما توضحه النقاط التالية:

1- اتساع رقعة الصراعات المسلحة: والتي برزت جليًا في المنطقة العربية بعد التحولات الثورية في عام 2011، ومع اشتعال النزاعات حدث تجاهل للحياة البشرية، الأمر الذي تطلب جهودًا لتعزيز التفاهم المتبادل بين الثقافات والشعوب. إذ أطلقت الأمم المتحدة حملة “معًا لتعزيز التسامح”، وهى حملة عالمية تهدف إلى الحد من المواقف السلبية تجاه اللاجئين والمهاجرين وتعزيز التكافل الاجتماعي بين الدول والمجتمعات المضيفة واللاجئين والمهاجرين على حد سواء.

2- تجاوز الاحتقانات الداخلية: تتزايد هذه الاحتقانات نتيجة تعثر إدارة التعددية المذهبية والدينية في الدول العربية ذات الانقسامات المجتمعية. فما تمر به المنطقة من أزمات، تستدعي إبراز أهمية السلام ضد الحرب، والتسامح في مواجهة التطرف، والتفاهم في مواجهة التنازع. ولعل موجة الصراعات الراهنة تعبر عن حاجز الكراهية بين فئات وطوائف مختلفة داخل الدولة العربية الواحدة.

3- تعزيز قدرة التصدي على نزعات التطرف: التي تنميها تنظيمات إرهابية وجماعات مسلحة تستخدم عباءة الدين لترويج أفكارها المدمرة. ولعل ذلك يفسر التصريحات الصادرة عن وزراء خارجية وإعلام دول المقاطعة العربية لقطر، في توقيتات مختلفة، بعدم التسامح مع الدور التخريبي لقطر، بعد تدخلها في الشئون الداخلية للدول العربية، والتهديدات المترتبة على السياسات القطرية للأمن القومي العربي.

4- تأسيس جسور بين الجنسيات المقيمة على أراضي الدولة: وهو ما ينطبق جليًا على دولة الإمارات التي تحتضن ما يقرب من 200 جنسية، إذ تشير القيادات بالدولة إلى عدم السماح بالكراهية فيها، وعدم القبول بأي شكل من أشكال التمييز بين الأشخاص المقيمين عليها. فثقافة التسامح ليست وليدة اليوم في مجتمع الإمارات، بل هي ثقافة سائدة تعكس ترسيخ قيم التعددية، والقبول بالآخر، فكريًا وثقافيًا وطائفيًا ودينيًا.

5- تكوين قنوات مؤسسية للتواصل مع العالم الخارجي: تنطلق جائزة محمد بن راشد للسلام العالمية من التعاليم الإسلامية السمحة، وتتجلى فيها معاني التسامح والاعتدال، فضلاً عن دورها في تأسيس قنوات للتواصل مع الشعوب كافة والدخول في شراكات مع المؤسسات الثقافية المعنية في العالم لنشر مبادئ الوئام وقيم التسامح بين الأجيال، وعقد المؤتمرات الدولية، تحقيقًا للسلام العالمي.

وعلى ضوء ما ذكر اعلاه، فأن مفهوم التسامح يرتبط ارتباطاً عميقاً بمفهوم السلام فالسلام هو لازمة طبيعية لمفهوم التسامح فإذا كان السلام هو غياب الحرب وجود الامن فان هذا يعني وجود التسامح كضرورة حيوية لمفهوم السلام.

وهذا يعني في نهاية المطاف ان التسامح والسلام هما مفهوم واحد بوجهين متشابهين الى حد كبير. فالعنف هو نقيض التسامح، وذلك لان التسامح هو التصور الذي يتنافى مع اي ممارسة للعنف والتسلط والعدوان.

التعليقات