الأحد - الموافق 17 يناير 2021م

التسامح في العلاقات الاجتماعية .. بقلم : الدكتور عادل عامر

ان ثقافة التسامح تجعل الافراد يودون ويحبون بعضهم البعض في علاقاتهم الاجتماعية مما يساهم في نشر الاحترام والتعاون والتبادل في حل كافة المشاكل التي تؤدي الى زعزعت علاقاتهم الاجتماعية. اذ انها تجعل من الافراد يعشون حياة متفائلة وبعيده عن التشاؤم والاكتئاب والحقد لأنه يتجسد في داخلهم مفاهيم العفو والحب.

إن محاربة النفس البشرية وتربيتها وتدريبها على السيطرة وحل المشاكل التي يمر بها أغلب البشر سواء كانت اجتماعية وثقافية ودينية يؤدي إلى تكوين ثقافة التسامح بين البشر، والتسامح هو نبذ الكراهية والحقد الذي يسيطر على الإنسان وكبح عقلية الانتقام ورد الفعل السريع لديه.

إن التسامح الثقافي بين الشعوب باختلاف دياناتهم وافكارهم ومعتقداتهم، لا يمكن ان ينجح دون ان يعمل كل شعب على استراتيجية ترتكز على التبادل الثقافي وتقدير واحترام ثقافة الشعوب الاخرى وفهمها.على الأمة ان تعمل على تنمية ثقافة اتصالية مع الشعوب الاخرى وان تنمي لدى افرادها ثقافة التسامح وقبول الاخر. ومن هذا المنطلق فثقافة التسامح تعمل على خلق وعي ثقافي اجتماعي للعلاقات الاجتماعية المبنية على التعاون والتبادل بين الافراد،

اذ ان العلاقة الاجتماعية التي تحدث بين الافراد تختلف حسب نمط المكانة والمركز والشهادة والثقافة المعرفية وكذلك حسب نمط الدين، فالثقافة كما تصورها الانتروبولوجيين بانها كل القيم والمعاني والمعتقدات والعادات والقوانين يكتسبها الفرد من الجماعة التي تحيط به والمجتمع الذي يعيش فيه،

ومن هنا نجد ان التسامح هو سلوك شخصي اجتماعي يصدر من قبل الفرد دون وقوع أي هجوم على حقوق الفرد الاخر بمعنى استعداد الفرد ان يترك الاخر بالتعبير عن حرية أفكاره وثقافة ولا يمكن مخالفته والتصدي له.

وعليه نجد ان قيم ثقافة التسامح تعمل على تحقيق التآزر والمحبة والتعاون والألفة والانسجام، كما تعمل على مساعد الفرد في التحمل للمسؤولية من اجل الوقوف بوجه مشاكل الحياة الاجتماعية اذ انها تنمي مشاعر الإحساس الاجتماعي بالمجتمع.

وإن حصول خلل في طبيعة قيم المسامحة لدى الافراد سيؤدي إلى تكوين الشخصية المضطربة، وبالتالي فإن الشخصية المضطربة تصبح بنيتها أكثر تفككا واستعدادا لتشرب القيم الأجنبية الوافدة والسلبية، وذلك بدوره يؤدي إلى حالة من التذبذب على مستوى الانتماء الثقافي وهذا الوضع ربما يقود صاحبه إلى الانعزال عن مجتمعه وبالتالي يصبح مغترباً عن واقعه الاجتماعي والديني والثقافي.

والتسامح مفهوم أخلاقي اجتماعي دعا إليه كافة الأنبياء والرسل لما له من أهمية كبرى في تحقيق تضامن وتماسك المجتمعات وحسم الخلافات بين الأفراد والجماعات ، وهذا يعني احترام الإنسان وتحقيق العدل وصيانة الحريات الإنسانية العامة . وقد عرف الفيلسوف والكاتب الفرنسي (فولتير) التسامح بأنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية الضعيفة الميالة للخطأ (وخلق الإنسان ضعيفاً ، إن النفس لأمارة بالسوء) .

لذلك يصبح التسامح المبدأ الأول لقانون الطبيعة وحقوق الإنسان كافة . فثقافة التسامح يمكن ترسيخها في نفوس الأفراد من خلال التنشئة الأسرية والمدرسية والتي يقع عليهما مسؤولية تربية وتوجيه وإرشاد وترسيخ المحبة والتفاعل بين الأفراد فمن جهة التنشئة الأسرية التي تعد أول خلية اجتماعية ثقافية نفسية تعمل على تنمية وتربية الفرد منذ النشأة إلى سن المراهقة،

لأن الطفل يكتسب قيم التسامح من المحيط الذي يعيش فيه بمعنى على الوالدين أن يكونا في علاقاتهما الاجتماعية والثقافية مبنية على التشاور والاحترام والتعاون. أما التنشئة المدرسية فمهمتها تنمية مفاهيم حرية التعبير داخل الصفوف الدراسية

وأيضاً بث التعاون وتبادل الأفكار بين التلاميذ من جانب وبين التلاميذ والمربين التربويين من جانب آخر وأن تعزيز هذه المحبة والتسامح لا يأتي إلا من خلال المناهج الدراسية وأساليب تعامل المربين التربويين مع التلاميذ داخل الصفوف الدراسية.

أيضًا لا ننسى في بيئات العمل كثيراً من الدوائر والجهات والمؤسسات سواء في القطاع الحكومي أو الخاص لا توجد لديها برامج لتعزيز التسامح بين موظفيها. فثقافة التسامح توفر للفرد صيغة سلوكية ثقافية اجتماعية تعمل على تكوين العلاقات الاجتماعية الإيجابية وتنظيم المجتمع والحفاظ على استقراره وتعمل على خلق وعي ثقافي اجتماعي للعلاقات الاجتماعية المبنية على التعاون والتبادل بين الأفراد كما تعمل على مساعدة الفرد في التحمل للمسؤولية من أجل الوقوف بوجه مشكلات الحياة الاجتماعية إذ إنها تنمي مشاعر الإحساس الاجتماعي بالمجتمع.

مِن المُسلَّم به أنَّ التسامح أحد روافد تعزيز العلاقات الاجتماعية بينَ أفراد المجتمع، وتثبيت الثقة المتبادلة بين الناس كقوة إنسانية فاعلة، لها آثار نفسية تنمّي الأفكار البنّاءة في النفس والمجتمع، وتَجزم على أهمية قيمة التّسامح في رفع جودة حياة الإنسان. للتسامح آثار نفسية إيجابية عديدة تعود بالفائدة على الصحة النفسية للفرد والمجتمع ككل. فالتسامح قيمة تساعد على الشعور بالسّلام الداخلي، وتعطي لأفراد المجتمع دفعة قوية للإحساس بالأمل وتجديد الشعور بالحب والخير. فلقد أدرك علماء النفس حديثاً أهمية التسامح وصلته الوثيقة بالسعادة النفسية لأن المشاعر الايجابية حتما تُوَلِّد حالة مِن السرور في المجتمع الذي هو نسيج اجتماعي مِن صُنع الإنسان ،

وفي هذا النطاق نجد أنَّ البحوث التجريبية والوصفية ذات الصِّلة تؤكد وجود علاقة وثيقة بين الالتزام الأخلاقي وبين الصحة النفسية ؛ وأنّهما يتناسبان تناسباً طردياً. ويُعد التلاحم المُجتمعي وتحقيق الانسجام بين أفراد المجتمع مِن آثار التسامح الإيجابية في المجتمع على المستوى النفسي؛ حيث تزيد في المجتمع نسبة المودة والاقبال على المساعدة؛ مِما يخلق حالة التوافق والتعايش بين أفراد المجتمع كافة بدون استثناء بتعددهم الثقافي والديني. ذلك لأن التسامح مِن مَدلولاته إقرار بحق الآخر في الحياة وفي الوجود، ولهذا الغرض اعتبر أهم وسيلة في توطيد العلاقات وترسيخ الثقة المتبادلة بين الناس .

وتعد تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في إدارة التسامح والتعددية ومنظومة التسامح مثالا يُحتذى به في تعزيز قيم الاندماج والتسامح في المجتمع ، ودعم تمكين المرأة والشباب والجيل الناشئ. ومِن مكاسب التسامح الشُّعور بالتفاؤل في الحياة حيث يَمتلك أفراد المجتمع نزوعاً إنسانياً وقناعة إيجابية لاستبشار الخير وحدوث كل ما هو سار في المستقبل، وتوقع أفضل النتائج؛ مِما يُحقق قيمة حياتية للفرد وللمجتمع. ولعلّ الاستطلاع العالمي

أنَّ التسامح يجعل الناس يشتركون في نظرتهم المتفائلة للمستقبل، ويرون أنَّ الاحترام والاحتفاء بالتنوع هما مفتاح بناء مستقبل أفضل للجميع. فالمجتمع المتسامح، أكثر تمتُّعاً بحسن المزاج وأقدر على المبادرة مِن غيره، وأقرب إلى التفاؤل في الحياة مِن الآخرين، وبناء علاقات جيدة مع الناس، ويبعث الرضا والثقة والأمل في المستقبل لدى الأفراد.

يستخلص مِما سبق أنَّ للتّسامح آثاراً نفسية على المجتمع في سائر نواحي الحياة، لوجود علاقة ارتباطية دالة بين التسامح والانفعالات والأفكار الإيجابية المُعززة للتّعارف العُمراني. إنّ الآثار النفسية للتسامح تعمل على بناء السِّمات الإيجابية التي تساعد الأفراد والمجتمعات، ليس على التّحمل والتقبل والبقاء فحسب، بل تزيد من رفاهية المجتمع، وتُنمي قِواه الإيجابية على مدى الحياة، في الصحة والعلاقات والعمل.

إن إشاعة المحبة بين الناس وبخاصة بين اصحاب المهنة الواحدة ولا سيما في مهنة الصحافة والإعلام من الأمور التي تسهم في تطوير العمل ، والإبداع في مخرجاته ولو نشرنا ثقافة التكامل لزالت المعاني التي تحث على البغض والحسد ولم يتمنى أحدنا للآخر الشر بل يكون له عضدا وعوناً ليكون شريك النجاح ويدعوا له بالتوفيق والسداد باعتبار أنه شريك النجاح

لذا علينا أن نبعد أنفسنا الحقد والشك و نتغافل عن الأخطاء والزلات غير المقصودة ونتواضع لبعضنا البعض ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى المسائل الخلافية نظرة أكبر من حجمها فنفسد ما بيننا من ود فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ، فإذا فهذه هي ثقافة ومهارة الانفس العظيمة،

فعلينا أن نلتمس الأعذار لمن حولنا وبخاصة زملائنا في العمل ، علينا أن نوزع الابتسامة فيما بيننا ، وننشر ثقافة التسامح كزملاء مهنة واحدة ، ما اجمل ان نزرع بذور الجمال بدواخلنا وحولنا و نحصد الحب والسلام الداخلي ونراه من حولنا ونعزز هذه القيم لا بد أن نكون متصالحين مع أنفسنا أولاً ثم المجتمع من حولنا .لنكون دعاة سلام ومحبة فالدنيا فانية ولن يبقى للإنسان من أثر بعد موته إلا العمل الصالحة والكلمة الطيبة

التعليقات