الثلاثاء - الموافق 02 مارس 2021م

الاعراف الاسلامية والمعاهدات الدولية بقلم :- الدكتور عادل عامر

مما لا شك فيه أن الأعراف الدولية تعتبر من المصادر الأصيلة في القانون الدولي العام , ذلك أن هذه الأعراف تعتبر معيناً لا ينضب لواضعي المعاهدات والاتفاقيات الدولية , كما أن المنظمات الدولية ترجع إليها في تأسيس العلاقات بينها وبين الدول . ومما ساعد على انتشار هذه الأعراف تلك التطورات والمتغيرات الهائلة التي ألمت بالمجتمع الدولي من سياسية واجتماعية واقتصادية وتقنية ونحوها , والتي كان لها بارز الأثر في عملية تكوينها وإنشائها. هذا وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية في لاهاي العرف الدولي بمثابة حجة ناجمة عن التعامل العام الذي له قوة القانون .

ويرى كثير من شراح القانون الدولي العام أن العرف الدولي يعتبر المصدر الأول من مصادر القانون الدولي العام , وهو بذلك يقدم على المعاهدات الدولية , وذلك لتكون معظم قواعد القانون الدولي العام منه , أضف إلى ذلك أن القواعد التي تنص عليها المعاهدات الدولية تكون غالباً تعبيراً أو صياغة لما استقر عليه العرف قبل إبرام هذه المعاهدات .

وكذلك فإن قواعد العرف الدولي عامة شاملة أي ملزمة لجميع الدول في حين أن القوة الإلزامية في المعاهدات الدولية تقتصر على الدول المتعاقدة , وهذا الكلام النظري مؤيد بالواقع العملي الحاضر فالمشاهد للقانون الدولي العام هذه الأيام يجد أن الغالبية من قواعده تقوم على العرف الذي تواتر بين الدول واستقر عليه العمل بينها , حتى وإن كان القانون الدولي في أغلبه على هيئة معاهدات واتفاقيات دولية فإن كثيراً من الشراح يرى أنها – في الأعم الأغلب منها – مجرد معاهدات كاشفة عن العرف المستقر قبلها .

إن العرف الدولي هو المصدر الأقدم من ناحية التدرج التاريخي لمصادر القانون الدولي العام  من حيث أقدميتها , وهو أيضاً أكبر المصادر من حيث القواعد المنتمية إليه وأكثرها تشعباً واختلافاً . من هنا يتبين للقارئ أهمية العرف الدولي في القانون الدولي العام , وأنه جدير بأن يكون واحداً من أهم مصادره . و الدول الإسلامية تقر بالقانون الدولي ومبادئه باعتباره قانوناً ينظم علاقاتها الخارجية ومعاهداتها الدولية ليس مع الدول غير الإسلامية فحسب بل مع بعضها البعض . وأما مصادر القانون الدولي الإسلامي فهي القرآن الكريم والسنة والاجتهاد .

ويطرح هنا سؤال هو : هل تعترف الشريعة الإسلامية بالاتفاقيات والمعاهدات كمصدر للقانون الدولي الإسلامي ان القانون الدولي الإسلامي ، ويمنحان الدولة الإسلامية مرونة أكبر وحرية في التعامل مع القانون الدولي ، مع بقية أحكام الشريعة الإسلامية والمصادر الأخرى .

 وكلا المصدرين يجب أن لا يخالفا القواعد الإسلامية ، مع العلم أن استخدامهما يجري في باب المباحات من الأحكام . وسبق أن ناقشنا مفهوم المصلحة الإسلامية . أن الحكم المستمد من العرف يعد حكماً ملزماً حتى بالنسبة للدول التي نشأت بعد نشوئه واستقراره ، تلك الدول التي لا يمكن أن ينسب لها الرضا بالخضوع للحكم وقت قيامه . ويصور أصحاب هذا الرأي العرف بأنه أحكام رتبتها حكمة الأجيال ، وشاع الاعتقاد لدى أعضاء الجماعة الدولية بوجوب الإذعان لها والتصرف وفقاً لأحكامها ،

 وذلك لأن تنظيم حياة الأسرة الدولية والمحافظة على بقائها يتطلبان الإذعان والخضوع إن الفقه الإسلامي يعترف بالعرف ، وينصح بالرجوع اليه في العديد من الحالات ، مثلاً; تحديد مهر الزوجة إذا لم يكن مشروطاً من قبل ، ومعاملات التجارة والسوق والعمل والخدمات وغيرها مما تعارف الناس عليه.

 ويمكن توسيع مفهوم العرف من الدائرة المحلية إلى الدائرة الدولية ليشمل تأثر الدولة وسلوكها وعلاقاتها بالعرف الدولي ، مما لا يخالف الشريعة الإسلامية . والدول الإسلامية تأخذ اليوم بالأعراف الدولية وتلتزم بها في القانون الدولي وإجراءات المعاهدات والمفاوضات وغيرها .

 ويمكن أن نشير إلى احترام الدول الإسلامية للعرف الدبلوماسي الذي يجري الالتزام به في الزيارات الرسمية واستقبال الوفود الرسمية والمشاركة في المؤتمرات الدولية وغيرها وإذا كان العرف الدولي يسمح بوجود أعراف إقليمية ، فلا يبدو هناك عائق لنشوء (عرف إسلامي) يجري الالتزام به في المعاهدات والاتصالات والنشاطات التي تمارسها الدول الإسلامية . ويمكن أن يبدأ الالتزام به من قبل الدول الإسلامية فيما بينها ، حتى يغدو متعارفاً عليه بفعل الاستمرار بالعمل به ، وتقادم الزمان عليه ، كي يصبح بعد ذلك عرفاً دولياً ،

 خاصة وأن الدول الإسلامية تشكل حوالي ثلث الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة . والكثير منها لها ثقلها الاقتصادي والسكاني والسياسي والاستراتيجي .

 ويمكن التخلص من كثير من الأعراف الدبلوماسية التي تخالف الشريعة الإسلامية والأخلاق ، وهي تبادل وجهة النظر بين ممثلي دولتين أو أكثر بقصد التوصل إلى عقد اتفاق دولي بينهما ، يتناول بالتنظيم ما تريد الدولتان أو الدول تنظيمه من قضايا . فعلى المستوى القانوني ، فإن المفاوضات بهدف إبرام اتفاقية ثنائية أو جماعية لا تثير إشكالات خاصة ، فنادراً ما يقع التفاوض بشأن المعاهدات من طرف رؤساء الدول والحكومات بكيفية شخصية ، بل يتولى ذلك بالنيابة عنهم أشخاص يمثلونهم ، مزودين بأوراق تفويض .

 وصيغة التفويض تختلف باختلاف الدول ، وهي مستند مكتوب صادر من رئيس الدولة ، ومبدأ التمثيل والتفويض متعارف عليه في الإسلام ، حيث تمر المعاهدة في الشريعة الإسلامية بالأدوار الخاصة بالتفاوض الذي يباشره الإمام أو الخليفة نفسه ، أو يباشره عنه وباسمه وبإذنه من يفوضه في ذلك وتسير الدول الإسلامية وفق هذه الأعراف والقواعد الدولية في عملها الدبلوماسي وعقد الاتفاقيات الدولية.

 وحول شرعية توقيع الحاكم الإسلامي للمعاهدات تبرز وجهات نظر متباينة، فبعض الفقهاء يتحفظون في منحه هذه الصلاحية المطلقة ، بل يقيدونها بقيود يمكن اعتبار استيفائها أمراً مطلوباً لإضفاء الشرعية على المعاهدات الدولية ،

 نذكر منها : ، وضعية خاصة ، أو السماح بالحريات السياسية لجميع أفراد الشعب في حين لا يرغب النظام الحاكم بذلك . ولا يعني أن ذلك يقتصر على البلدان الإسلامية أو بلدان العالم الثالث بل يشمل الدول الغربية والصناعية، فقد قُدم 47 تحفظاً على (معاهدة إنهاء كل أشكال التمييز العنصري) تقدمت بها دول عديدة منها دول غربية ذات أنظمة ديمقراطية مثل أميركا وفرنسا وكندا والنمسا واستراليا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا وأيسلندا ولوكسمبورغ ونيوزلندا ويتيح حق التحفظ على المعاهدات الدولية فرصة واسعة أمام الدول الإسلامية كي ترفض ما يخالف الشريعة الإسلامية أو مصالحها الحيوية دون أن يعيق مركزها أو دورها في المجتمع الدولي .

كما يجعلها في حل من الالتزام بما لا يناسبها ، إضافة إلى أن حق التحفظ يعني تخلصها من الضغوط السياسية والاقتصادية من أجل الدخول في معاهدة أو اتفاقية دون رغبتها . وينظم القانون الدولي إجراءات إنهاء المعاهدة الدولية ، فمعاهدة فيينا (الفقرة 1 من المادة 65) تنص على وجوب إشعار الطرف الذي يرغب في إلغاء المعاهدة أو الانسحاب منها أو إبطالها ، الأطراف الأخرى المتعاقدة .

 ويجب أن يتضمن الإشعار التدابير التي يزمع اتخاذها إزاء المعاهدة والأسباب التي دفعته إلى ذلك . وتحدد (الفقرة 2 من المادة 65) أجلاً لاتخاذ التدابير المزمع القيام بها ، وهي مدة لا تقل عن ثلاثة شهور ابتداء من تاريخ وصول الإشعار .

وخلال هذه الفترة يمكن للطرف الآخر أن يبدي اعتراضاته ، وفي غيابها يمكن للطرف صاحب الإشعار أن يقدم على إجراءاته . وفي حالة النزاع حول إبطال وإلغاء المعاهدة ، يتحتم على الأطراف أن يجدوا له حلاً استنادا إلى المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة .

 كما ويمكن للدول المتخاصمة اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لإبداء الرأي أو اتخاذ قرار بشأنه أو تشكيل لجنة تحكيم دولية أما الشريعة الإسلامية فقد اهتمت بهذه الأعراف قبل القانون الدولي العام , ويظهر أثر ذلك جلياً للعيان في الأحلاف والمواثيق التي عقدها صلى الله عليه وسلم بينه وبين غيره والتي جرت بناء على أعراف سابقة . كما يظهر اهتمام الشريعة الإسلامية بالعرف الدولي في التزامه صلى الله عليه وسلم به حينما التزم بالعرف الدولي الجاري بعدم قتل الرسل .

ومن يطلع على كتب الفقهاء – خاصة أبواب الجهاد والهدنة ونحوها – يدرك بناء كثير من الأحكام المتعلقة بالأمور الدولية على العرف الدولي . إلا أنه ينبغي التنبيه على أمر مهم وهو أن العرف الدولي في الإسلام لا يعتبر مصدراً أساسياً للتشريع الدولي الإسلامي بل هو مصدر ثانوي يرجع إليه في العلاقات بين الدول في الأمور الخالية من النصوص وذلك بشرط عدم مخالفتها للإسلام .

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك