الخميس - الموافق 11 أغسطس 2022م

الأمن الإنساني وأبعاده في القانون الدولي العام ..بقلم الدكتور عادل عامر

سيطر مفهوم الأمن القومي على الدراسات الأمنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية القرن العشرين. وركَّز مفهوم الأمن القومي على التهديدات ذات الطابع العسكري، وجعل الدولة هي المعني بالحماية والقائم بها في ذات الوقت.

ولكن في تسعينيات القرن الماضي ظهرت مجموعة من المتغيرات التي دفعت الباحثين للتركيز على مفهوم جديد للأمن هو الأمن الإنساني. يمكن تقسيم هذه المتغيرات إلى مجموعتين. المجموعة الأولى تشمل اتساع مجال التهديدات الأمنية وظهور أنواع جديدة من التهديدات، فمع نهاية الحرب الباردة وظهور العولمة وما نتج عنها من تغير في حياة الأفراد والمجتمعات لم يعد التهديد قاصراً على الجانب العسكري بل ظهرت أنواع أخرى من التهديدات منها التغيرات المناخية والإرهاب والأزمات الاقتصادية والصراعات الإثنية.

وتشمل المجموعة الثانية تعدد الفواعل الدولية، فلم تعد الدولة هي الفاعل والغاية الوحيدة للأمن، ولكن ظهر فاعلون جدد سواء على المستوى الداخلي أو الدولي باتوا يهتموا بالقضية الأمنية. وانقسم الفاعلون تيارين تيار يعمل على خصخصة الأمن وأخر يعمل على أنسنة الأمن. ومن بين هؤلاء الفواعل الجمعيات المحلية ومراكز الأبحاث التي تهتم بالدراسات الأمنية. هذا على المستوى الداخلي أما على المستوى الخارجي فنجد المؤسسات الدولية سواء الحكومية أو غير الحكومية. كل هؤلاء الفواعل عملوا على تغيير مفهوم وغاية الأمن

صحيح أن النظام ثنائي القطبية، وبسبب توازن الرعب النووي بين قطبيه قد أدى إلى استقرار عالمي، وجنب البشرية حرباً مدمرة. إلا أنه كبّل الأمم المتحدة، وحدّ من فعاليتها، بحيث باتت غير قادرة على ممارسة دورها المرسوم لها، إلا من خلال توافق القوى العظمى. وهذا ما عبّر عنه الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة داغ همرشولد بقوله: “لم تخلق الأمم المتحدة لتقود البشرية إلى الجنّة بل لتنقذها من الجحيم”

والأدهى مما سبق، أنه مع بداية التسعينات، تحكمت في التوازنات الدولية وأدوار الأمم المتحدة ومجلس الأمن، قوة أحادية الجانب هي الولايات المتحدة الأميركية. مما أدى إلى تدهور الأمن والسلم الدوليين على أكثر من محور وساحة إقليمية في مختلف أرجاء العالم وتصاعد الفوضى والأعمال العسكرية في كل مكان، وسادت فوضى المعايير الأمنية والقانونية، وتداخلت وتعقدت التحالفات السياسية والعسكرية، وتفاقمت ظاهرة الإرهاب، ضاربة في قلب الدولة الأميركية العظمى.

لقد صوّر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ملامح الأمن الجماعي الدولي في عصر أحادية القوة، خلال مشاركته في اجتماعات مجلس الأمن بناء على دعوة رسمية مارس/آذار 2008، لمناقشة الأزمة العراقية. حيث سلط الأضواء على وهن المواثيق الدولية، وتراجع فعالية الشرعية الدولية ومؤسساتها. ومما قاله:”من الطبيعي أن تدور مناقشات عالمية حول دور مجلس الأمن بين الذين لا يرون دوراً للمجلس في حفظ الأمن، والذين يرون أن دور التنظيم الدولي كله قد بدأ بالاضمحلال، متسائلاً، عن مصير مبادئ السيادة وسلامة الأراضي.. التي تخرق… وتهدد… وعن دور وموقف مجلس الأمن ومعاييره… وهل يقوم أو باستطاعته أن يقوم بما عهد إليه من مسؤولية رئيسية في حفظ السلم والأمن الدوليين كما قضى الميثاق؟ وهل سلم مجلس الأمن بأن القوة أصبحت مصدراً للشرعية أو بديلاً عنها؟

يمكننا القول أن نظام الأمن الجماعي الدولي، الذي رسمه ميثاق الأمم المتحدة، ارتكازاً إلى مبادئ احترام جميع الدول للقانون والشرعية الدوليين، يتعرض منذ أكثر من عقد ونصف لأخطر تحد له على الإطلاق، بتجاهل القانون والميثاق علناً، وغلبة القوة المسلحة تحت ذرائع مختلفة ومتناقضة، خارج إطار الشرعية الدولية.

إن الأمن الجماعي في العلاقات الدولية، يقضي بأن يجعل كل طرف نفسه حارساً على غيره، أي أن لجوء أي دولة إلى استخدام القوة ضد أية دولة أخرى يقاوم بالقوة الجماعية من جميع الدول الأخرى. فمفهوم الأمن الجماعي عملية واسعة تتضمن التالي:

– التخلص من مصادر الخطر المستمر في المجتمع الدولي.

– إجراء تغيير جذري في العلاقات الدولية، يتضمن إقامة علاقات نوعية جديدة في إطار المجتمع الدولي.

– وهو يرتبط بأجهزة قانونية قادرة على تحريم العدوان.

– وهو يقتضي التركيز على الأسس الإيجابية في التعامل الدولي، وليس الغطرسة والعدوان والأحادية

منظمات الأمن الجماعي (نماذج دولية):

أ‌- منظمة معاهدة شمالي الأطلسي (حلف الناتو):

أنشئت بموجب معاهدة شمالي الأطلسي لسنة 1949، كحلف دفاعي غربي، وتحدد المادة الخامسة في المعاهدة: “إلتزام الأعضاء بالرد على أي هجوم مسلح، يتعرض له أي طرف من الأطراف في المعاهدة”.

ومن المشاكل القائمة منذ زمن طويل، هي: تردد الدول في التنازل عن الصلاحيات أو الموارد إلى الإتحاد الأوروبي. لذلك فإن استراتيجية الأمن الأوروبي ظلت ضعيفة في توليد ردود متسقة على أزمات وتحديات محددة في العالم، نظراً إلى عدم وجود تقدم في خطط الإتحاد الأوروبي لإنشاء قوة رد سريع قوامها 60 ألف عنصر، لذلك ما زال يعتمد على سياسته ودبلوماسيته اللينة في معظم الأحيان. والمثال الأحدث على ذلك، هو تقديم بلدان الإتحاد الأوروبي مساهماتها في قوات حفظ السلام في لبنان، في إطار الأمم المتحدة بدلاً من عملية للاتحاد الأوروبي. هذا فضلاً عن صعوبة تنسيق الوسائل الكفيلة بمواجهة التحديات الأمنية الداخلية (الإرهاب، الجريمة المنظمة…).

ورغم مواصلة حلف الناتو منذ بداية القرن الحالي لسياسة الابتعاد عن الدفاع عن الأراضي الأوروبية، نحو مهمات الحملات خارج المنطقة، غير أن هذا التحول لا يلقى موافقة متساوية من الأعضاء. فيما لا يزال الحلف يبحث عن استراتيجية، تنفي التهم عنه بأنه فائض عن الحاجة، إذ لا يميل أعضاؤه، بما في ذلك الولايات المتحدة، للتعامل مع آخر التحديات الأمنية التي تواجههم في الخارج، في إطار الحلف

ويرمي التحول إلى تغيير حلف الناتو وتعزيزه، وفي أواسط عام 2006 توقع دي هوب شيفر ثلاث “سلال” من النتائج للتغيير: الأولى تشمل العمليات مثل أفغانستان وكوسوفو، والثانية تشمل قضايا القدرات مثل قوة الردع التابعة للحلف. والنقل الجوي الاستراتيجي والإنفاق العسكري، والثالثة تتعلق بالتقدم السياسي بما في ذلك مسألة أطر الشراكة مع حلف الناتو.

وإلى جانب تقوية الصلات القائمة مع الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وبلدان القوقاز وآسيا الوسطى والخليج والبحر المتوسط، فقد اقترحت الولايات المتحدة أن ينشئ حلف الناتو “شراكة عالمية” مع البلدان الراغبة مثل أوستراليا ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية واليابان، والفكرة أن يضم منتدى جديد للشراكة العالمية بلداناً متماثلة العقلية وذات توجه غربي، وقادرة على المساهمة في البعثات العسكرية لحلف الناتو في كل أنحاء العالم

وفي هذا السياق دعا السناتور الأميركي ريتشار لوغار إلى توسيع دور الحلف ليشمل حماية أمن الطاقة للدول الأعضاء، وقد لقي هذا الاقتراح ترحيباً حاراً من قبل دول أوروبا الوسطى والشرقية، إذ تشعر بأنها أكثر عرضة لاضطرابات تدفق النفط والغاز، بسبب اعتمادها الشديد على روسيا.

ب‌- النموذج الروسي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي(:

وقعت ست دول من دول الاتحاد السوفياتي السابق على معاهدة الأمن الجماعي، في 15 أيار/مايو 1992، ويعد البند المتعلق بالمساعدة المتبادلة في حال وقوع اعتداء خارجي، العنصر المركزي فيها. وفي الذكرى العاشرة للمعاهدة في أيار/مايو 2002 اتخذت الدول المشاركة (أرمينيا، بيلاروسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، روسيا، طاجيكستان) قراراً بشأن انطلاقة جديدة، وأصبحت الدول المؤسسة لهيكل جديد، هو منظمة معاهدة الأمن الجماعي.. ودخل نظام المنظمة الأساسي خير التنفيذ في أيلول/سبتمبر 2003.

يبدو أن مشروع هذه المنظمة، مستوحى إلى حد بعيد من تجربة “حلف الناتو” إذ يحكمها على غراره نظام مؤسسات سياسية وعسكرية. وقد اتخذت المنظمة قرار انشاء قوات الإنتشار السريع في أيار/مايو 2001، بسبب الوضع في آسيا الوسطى وأفغانستان، كما نشطت في وضع تدابير مضادة للإرهاب، واتخذت خطوات مهمة لتعزيز حضورها الدولي، إذ أصبحت عضواً مراقباً في الأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2006(

وقد أنشأت المنظمة نظاماً موحداً للدفاع الجوي، ونظاماً مشتركاً لتحديد تهديدات ذات صلة بأسلحة بيولوجية وكيماوية، وشكلت لجنة تنسيق بين قادة قوات وأجهزة الحماية من هذه الأسلحة، ووضعت تدابير مضادة للإرهاب. ففي نيسان/ابريل 2004، أيدت إنشاء منبر إعلامي دولي مضاد للإرهاب كهيكل غير حكومي يتعامل مع الدعم الدولي في سبيل الكفاح ضد الإرهاب الدولي. وتقرر في حزيران/يونيو 2005 إعداد قائمة خاصة بمنظمة المعاهدة، تتضمن أسماء منظمات إرهابية ومتطرفة. وفي آب/أغسطس 2006 نفذت المنظمة مناورتها التدريبية، وفق سيناريو ملائم لمتطلبات مكافحة الإرهاب.

ج- منظمة شانغهاي للتعاون:

تأسست هذه المنظمة بإعلان صدر في شانغهاي في 15 حزيران/يونيو 2001 عن ست دول هي: الصين، كازاخستان، فيرغيزستان، ورسيا، طاجيكستان، أوزبكستان، وأصبحت إيران ومنغوليا وباكستان دولاً مراقبة يحق لها حضور اجتماعات عالية المستوى في المنظمة.

تتميز منظمة شانغهاي، بأنها تتضمن قوة خارجية كبيرة هي الصين، وهي تشمل واحدة من أوسع المناطق الجغرافية التي تشملها أي منظمة أخرى من الحدود البولندية إلى فلادفيوستك، ومن البحر الأبيض إلى بحر الصين الجنوبي، وتملك دولها الست الأعضاء فيها ودولها الأربع المراقبة من 17,5% من احتياطي النفط العالمي المؤكدو 47-50% من احتياطي الغاز الطبيعي المعروف، وحوالي 45% من سكان العالم

وعلى الرغم من أن السبب الرئيسي لوجود منظمة شانغهاي للتعاون منسوب إلى المجال الأمني، فإنها لم تميز نفسها كحلف عسكري شبيه بحلف “الناتو”. ويتمثل هدف هذه المنظمة ببناء الثقة المتبادلة والاستقرار وتجنب الصراعات والرد على تهديدات غير تقليدية مثل الإرهاب، وأعمال التمرد والإنشقاق الداخلي.

ولكن الاقتصاد هو المجال الرئيسي لجدارة منظمة شانغهاي للتعاون، وهنا تقود الصين الإندفاع، يحفزها اهتمامها باستغلال السوق الإقليمية لنشاطات التصدير وبتأمين امدادات جديدة من النفط والغاز، وفي عام 2003 اقترح رئيس الوزراء الصيني انشاء منطقة تجارة حرة خاصة بالمنظمة. وقد تم الإتفاق على إنشاء منطقة مؤاتية لحرية حركة المنتجات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا، والخدمات بحلول عام 2020، وشكلت في العام 2004 أربع مجموعات عمل، تشمل التجارة الإلكترونية والجمارك وتوحيد المقاييس والاستثمار، وفي اجتماع شانغهاي للعام 2006، رفعت المنظمة والمجموعة الاقتصادية الأوراسية مذكرة تفاهم على تحسين التعاون في الطاقة والنقل بهدف تيسير التجارة البينية

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك