الأربعاء - الموافق 28 سبتمبر 2022م

الأعباء المالية العامة ..بقلم الدكتور عادل عامر

مثلما تستطيع الحكومة التأثير على الاقتصاد الوطني وإدارته باستخدام السياسة النقدية والتي يُعـد معدل الفائدة وإعادة سعر الخصم ومعدل الاحتياطي القانوني وعمليات السوق المفتوحة ، أدواتها فإنها أيضاً تستخدم أدوات السياسة المالية من ضمن السياسة الاقتصادية العامة ، وأدوات السياسة المالية هي كما يأتي :

. الضرائب : تشمل جميع أنواع الضرائب ، مثل : ضريبة الدخل ، وضرائب الشركات ، والضرائب غير المباشرة، والرسوم الجمركية التي تفرضها الحكومة على السلع والخدمات المحلية منها ، والخارجية عند الاستيراد ، لتحقيق هدف معين يخدم السياسة الاقتصادية للدولة ، والهدف من ذلك هو حماية الصناعة الوطنية وترغيب المواطنين في طلبها ، أو إعادة توزيع الدخل القومي الحقيقي ، أو أن الدولة ترغب في التأثير على وارداتها من السلع المستوردة بما يخدم سياستها الاقتصادية العامة.

من الأمثلة على طرق استغلال الضرائب في السياسة المالية ، أن تخفض الدولة نسبة الضريبة على الموظفين أصحاب الدخل المنخفض، الذي يؤدي إلى زيادة استهلاكهم للسلع، وترفعها على أصحاب الدخل المرتفع، وهو أمر لا يؤثر على استهلاكهم، فهو مرتفع بجميع الأحوال.
الإنفاق الحكومي : يتم التحكم بالإنفاق الحكومي حسب حجمه ، وكيفية توزيعه على النشاطات المختلفة داخل الدولة ، فهو ذو تأثير قوي على تلك النشاطات ، والتأثير على بعض تلك الأنشطة سيؤثر على أنشطة أخرى مرتبطة بها ، وعلى الرغم من أن الإنفاق الإجمالي ثابت لا ينقص ولا يزيد ، إلا أن إعادة توزيعه على النشاطات الاقتصادية يؤثر بشكل كبير ، كأن تزيد نسبة الإنفاق على نشاط اقتصادي معين وتخفضه على آخر كوسيلة تحفيز، على سبيل المثال يتم خفض الإنفاق على الطرق والإنشاء وتحويل النسبة التي تم خفضها لصالح نشاط التعليم.
الدَين العام :إن حجم الدين العام ، ومقدار نموه ، وكيفية الحصول عليه مسألة في غاية الأهمية من ناحية السياسة المالية للحكومة ، لتأثيره القوي على الأوضاع الاقتصادية العامة للدولة ، كأن تمر الدولة بأزمة مالية في فترة التضخم الاقتصادي فإن الحكومة تحاول الاقتراض ، فتبيع السندات الحكومية للمواطنين، ويكون ذلك لأصحاب الدخول المتوسطة والكبيرة، هذه السياسة قد تسبب انخفاض الاستهلاك ( إنفاقهم الاستهلاكي )،وكذلك عندما يتعذر على الحكومة التحكم في العجز في فترة التضخم فإنها يجب أن تنتهج سياسة لتقليل الضغوط التضخمية عن طريق تخفيض الاستهلاك.

أما في فترة الركود الاقتصادي فان الدولة عند حدوث عجز تلجأ لتمويله من المؤسسات المالية وذوي الدخول العالية والذين لا يؤثر إقراضهم للحكومة على إنفاقهم الاستهلاكي مما قد يفاقم المشكلة .

ثالثاً : أنواع السياسة المالية

السياسة المالية نوعان هما :

1. السياسة المالية التوسعية : تُستخدم السياسة المالية التوسعية لتحفيز الاقتصاد خلال فترات الركود ، أو أوقات البطالة المرتفعة والكساد الاقتصادي. حيث تستلزم السياسة المالية التوسعية إنفاق الحكومة المزيد من الأموال أو تلجأ إلى تخفيض الضرائب ،أو كليهما، بهدف وضع المزيد من الأموال في أيدي المستهلكين لزيادة الطلب على السلع والخدمات، الأمر الذي يعمل على زيادة إنتاج الشركات ، وزيادة أرباحها لينتهي الأمر بتحسين الوضع الاقتصادي.

2. السياسة المالية الانكماشية : تُستخدم السياسة المالية الانكماشية لإبطاء النمو الاقتصادي، كما هو الحال عندما ينمو التضخم ــــــــــ يرتفع المستوى العام للأسعار ــــــــــ بسرعة كبيرة، فتعمل السياسة المالية الانكماشية على زيادة الضرائب و/أو خفض الإنفاق العام ، مما يؤدي إلى خفض دخل المستهلكين ، ونقص الطلب على السلع والخدمات ، ومن ثم خفض المستوى العام للأسعار ليعود الاقتصاد إلى مساره .

كان المبرر الأساس لدى التقليديين لتحصيل الإيرادات العامة ، هو تغذية النفقات العامة اللازمة لتسيير المرافق العامة المحدودة التي تتولى الدولة أمر تنظيمها وإدارتها وملكيتها ، لذلك فإن الدولة في ظل هذه النظرية تحترم مبدأ التوازن السنوي للموازنة ، بل تقدسه .

في حين أعطى المحدثون في المالية العامة أهمية بالغة للنفقات العامة بسبب عدد من التطورات ، منها فشل آلية السوق في معالجة أزمة الكساد العظيم ، انتشار الأفكار الاشتراكية ، زيادة التوجهات الاجتماعية وغيرها . وقد أدت هذه التطورات الى خروج الموازنة العامة عن الاطار الذي حددته لها النظرية التقليدية ، وفي ظل هذه الظروف اضطرت الدولة الى زيادة النفقات العامة ، وتخلت عن مبدأ الحياد الاقتصادي للحفاظ على دورها السياسي والاجتماعي الرأسمالي، وذلك لعدة عوامل ، منها :

1. لم تبق النفقات العامة مقتصرة على تمويل وظائف الدولة التقليدية ، وانما أصبحت من أهم أدوات السياسة الاقتصادية ، بعد أن تغير شكل الدولة الاقتصادي وحجمه ، هذاعلاوة على دورها الاجتماعي وما يترتب عليه من التزامات سياسية .

2. اتسمت الزيادة في النفقات العامة بالاستمرار ، كما شكلت نسبة مهمة من الدخل القومي .

3. القبول الاجتماعية لاتساع غرض الإيرادات العامة بحيث يشمل المجالين الاقتصادي والاجتماعي ، ولا يقتصر على نطاق تمويل النفقات العامة .

يتبين نشاط الدولة في واقع الحياة الاجتماعية من خلال ما تنفذه من انفاق عام ، ومن خلال هذا الإنفاق يمكن التعرف على طبيعة النشاط وأهميته ، لذلك فإن للتقسيمات المختلفة للمالية العامة أهمية خاصة ، كونها تيسر عملية هيكل هذه النفقات والتعرف على آثار الانفاق العام في جميع مجالات الحياة ، بما فيها الاقتصادية والاجتماعية الأساسية .

أولاً : معنى النفقة العامة وعناصرها

النفقة العامة : مبلغ نقدي يقوم بتنفيذه شخص عام بهدف تحقيق نفع عام ( جماعي ) . وهي بهذا المعنى ، تضم ثلاثة عناصر تمثل صفاتها التي تميزها عن غيرها :

1. النفقة العامة مبلغ من النقود :

إن المشروعات الاستثمارية التي تنفذها الدولة ، والاعانات التي تقدمها ، والمعاملات والمبادلات الاقتصادية في ظل نظام اقتصادي نقدي ، تتم عن طريق النقود التي تعد وسيلة الدولة في الانفاق ، شأنها في ذلك شأن الأفراد ، لذلك فالإيرادات يجب أن تكون نقدية طالما هي مصدر للإنفاق ، إذ أن الأساليب ( غير النقدية ) التي تسلكها الدولة من أجل الحصول على ما تحتاجه من منتجات أو غيرها لا تُعد نفقات عامة . ذلك أن النقود هي أفضل وسيلة بيد الدولة للقيام بدورها فيما يتعلق بإشباع الحاجات العامة ، كونها تسهل من عمل النظام المالي الذي يركز مبدأ الرقابة على النفقات العامة تأميناً لأفضلية استخدامها وفقاً للقواعد التي تحقق المصلحة العامة .

2. صدور النفقة العامة عن الدولة أو احدى هيئاتها العامة :

تصدر النفقة العامة عن الدولة أو هيئة من هيئاتها ، وقد تكون هذه الهيئة هي الشخص العام المحلي ( وزارة ، مجلس محافظة ، وهكذا ) ولذلك إذا تبرع شخص بمبالغ لبناء مستشفى مثلاً ، لا يُعـد هذا نفقة عامة ، وإنما يدخل ضمن اطار الإنفاق الخاص . وهذا الإنفاق يستند على ( المعيار القانوني ) الذي يحدد النفقة العامة على اساس الطبيعة القانونية لمن يقوم بعملية الإنفاق نفسها .

3. هدف النفقة العامة تحقيق نفع عام :

من المعروف أن النفقات العامة تهدف أساساً إلى إشباع الحاجات العامة وتحقيق النفع العام ، وبهذا المعنى لا تُعد نفقات عامة تلك التي لا تشبع حاجة عامة ، ولا تحقق نفعاً عاماً للأفراد ، وتبرير ذلك ، طالما أن الأفراد متساوون في دفع الضرائب وتحمل أعباءها ، فأنهم متساوون في الانتفاع بالنفقات العامة التي تقدمها الدولة في جميع الوجوه .

ثانياً : صور النفقات العامة

للنفقات العامة صور مختلفة ومتعددة ،يمكن تحديدها على النحو الآتي :

1. الأجور والمرتبات

هي المبالغ النقدية التي تقدمها الدولة للأفراد العاملين في أجهزتها المختلفة فعلاً ، ثمناً للخدمات التي يقدمها هؤلاء لها ، أو الذين عملوا لديها مدة من الزمن ثم وصلوا سناً من العمر يجعل استمرارهم في العمل متعذراً فأحالتهم الى التقاعد . وهناك أنواع للأجور والمرتبات يمكن تحديدها بالأنواع الأتية :

أ‌. مرتب رئيس الجمهورية : تقرر الدولة أو الدول على اختلاف أشكال الحكم فيها مرتباً لرئيس الدولة سواء كان ملكاً أو رئيس جمهورية ، وتتبع الدول في هذا المجال احدى الحالات الأتية :

– تقوم الدولة بإصدار قانون مع قانون الموازنة يحدد بموجبه راتب رئيس الجمهورية ، ويتميز هذا الأسلوب باستجابته للظروف الاقتصادية ، ومن أبرز الانتقادات هنا أن البرلمان ربما يستخدم هذه الطريقة كأداة للضغط على رئيس الدولة .

– وتلجأ دول أخرى الى تحديد مرتب رئيس الدولة في الوقت الذي يتولى فيه المنصب ، وهذا الأسلوب غير مرن لأنه لا يستطيع مواكبة المستوى المعاشي الذي يليق برئيس الدولة .

– ويستخدم فريق ثالث من الدول أسلوب تحديد مرتب رئيس الدولة عندما يتولى المنصب دون أن يفوتها التصريح في القانون بإمكانية تعديله ، عندما ترى أن هناك ضرورة لذلك .

ب‌. مرتبات أعضاء البرلمان : تخصص معظم الدول على اختلاف نظمها السياسية مكافأة نقدية لكل عضو من أعضاء البرلمان ، تشجيعاً لهم ولضمان إيراد مستقر ومن مورد عام لممثلي الشعب ، ومن أجل قيامهم بواجباتهم الوظيفية دون الخضوع الى قوى الضغط السياسية في البلاد بسبب وضعهم الاقتصادي . إلا أن الأسلوب المعتمد لتخصيص المرتبات يختلف من دولة الى أخرى ، فقد ينص عليه في الدستور ، أو يصدر بقانون عادي ، على أن تؤخذ الظروف الاقتصادية بنظر الاعتبار ، وأحياناً يُخشى أن يستغل البرلمان حقه في التشريع فيزيد من مكافآت أعضائه .

ت‌. مرتبات الموظفين : يمثل الموظفون حجماً كبيراً في قطاعات الدولة المختلفة ، وعلى الدولة أن تراعي في تحديد الأجور والمرتبات ما يأتي .

– تحدد الدولة المرتبات والأجور في ضوء تكاليف المعيشة ضماناً لمنع الكسب غير المشروع

– مراعات طبيعة العمل والمؤهل العلمي والفني للموظف .

– تحديد المرتبات بصورة مناسبة ، بحيث تضمن عدم منافسة المشروعات الخاصة في الحصول على خدمات الموظفين الذين تتوفر عندهم خبرة واسعة في عمل معين .

– أن الدولة يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار مستوى المرتبات والأجور في الدول المجاورة ، أو المتقدمة اقتصادياً .

– على الدولة أن تقوم بإصدار قانون عام يتناول تنظيم المرتبات لتوضيح شروط التعيين والترقية وسن الإحالة على التقاعد وغيرها .

ث‌. المرتبات التقاعدية : يقصد بها المبالغ النقدية التي تقدمها الدولة بصورة دورية ( شهرية ) الى الأفراد الذين سبق أن عملوا في أجهزتها المختلفة ، ثم بلغوا من السن ما يجعل استمرارهم في الخدمة العامة أمراً متعذراً ، فأحالتهم الدولة إلى المعاش ( التقاعد ) .

2. أثمان مشتريات الدولة

وهي قيم الأدوات والمعدات والآلات والخدمات التي تقوم الدولة بشرائها وتخصيصها لإشباع الحاجات العامة .وهناك بعض الأشياء لا تتطلب خبرة عند شراءها كالأثاث ، على خلاف المباني وعقود الأشغال العامة ، وقد يكون الشراء من السوق المحلية أو قد يكون غير ذلك .

3. الإعانات

وهي المبالغ النقدية التي تقدمها دولة إلى دولة أو دول أخرى في حالة وجود فائض لدى الدولة الأولى ( الإعانات الدولية ) ، أو التي تقدمها الدولة داخلياً ، وكلا النوعين يمكن تناولهما على النحو الآتي :

أ‌. الإعانات الدولية ( الخارجية ) :هي المبالغ النقدية التي تقدمها دولة الى دولة أو دول أخرى ،لأسباب قومية كأن تكون من دولة عربية إلى دولة عربية أخرى ، أو سياسية مثلما تقدمها الولايات المتحدة الى ( إسرائيل ) وبعض الدول الأوربية أو الأفريقية ، أو التي تقدمها دولة ما الى المنظمات والمؤسسات الدولية مثل : منظمة الأمم المتحدة ، منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ( الفاو ) وهكذا .

وفي هذه الحالة تدخل ضمن النفقات العامة في موازنة الحكومة التي قدمتها ، وضمن الإيرادات العامة في موازنة الحكومة التي استلمتها . وقد تكون هذه الإعانات على شكل منح نقدية ، أو مساعدات فنية ، أو عسكرية ، أو مواد غذائية ، أو مزيج من اثنين أو أكثر . ومن سلبيات هذه الإعانات إنها قد تكون سبباً لنوع من التبعية أو الضغوط السياسية لاتخاذ مواقف سياسية معينة .

ب. الإعانات الداخلية :هي المبالغ النقدية التي تدرجها دولة في موازنتها العامة وتوجه للأغراض :

– الإعانات الإدارية : المبالغ التي تقدمها الدولة الى الهيئات العامة ، أو الهيئات المحلية لمساعدتها على القيام بواجباتها ، وقد يتم تخصيص هذه المبالغ لتغطية العجز المالي في موازنتها ، أو لمواجهة الكوارث الطبيعية أو حالات الطوارئ .

– الإعانات الاقتصادية : المبالغ التي تقدمها الدولة الى بعض المشروعات الاقتصادية لدعم موقفها لتستطيع الوقوف بوجه المنافسة الأجنبية ، وهدفها تشجيع وحماية الإنتاج الوطني ومحاربة ارتفاع الأسعار .

– الإعانات الاجتماعية المبالغ التي تقدمها الدولة الى الهيئات أو الأفراد لغرض تحقيق أهداف اجتماعية مثل إعانات العاطلين عن العمل ، أو الإعانات الاجتماعية لدور رعاية كبار السن والأحداث .

– الإعانات السياسية : المبالغ التي تقدمها الدولة الى المنظمات والمؤسسات التي تربطها بالدولة رابطة سياسية على مستوى الفكر والعمل .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك