الأحد - الموافق 28 فبراير 2021م

اطفالنا بين مطرقه الارهاب وسندان الانحراف .. بقلم :- الدكتور عادل عامر

يعاني اطفالنا في ظل الظرف الحالي تجعلنا نشمئز ونبتئس من مجموعة التجاوزات التي تتعرض لها الطفولة والطفل العراقي ناهيك عن الاستهداف المباشر لقوى الارهاب والرذيلة لهم من خلال الاعمال الاجرامية التي تطالهم باستمرار- مع من  يشعرون بمأساة ملايين النساء والأطفال والمستضعفين في مناطق النزاع والصراع والحرب، ممن يعيشون ظروفاً قاسية وأحوالاً صعبة، بين مطرقة المليشيات المتطرفة والمسلّحة وسندان الأنظمة الاستبدادية والاحتلال.

ومع ان واقع الطفل العربي محفوف بالمخاطر والبؤس لذا يستدعي من الجهات الحكومية الرسمية ان تشمر كل طاقتها من اجل الاهتمام والرعاية والحفاظ على بنية الطفولة العراقية سيما بعد مجموعة التجاوزات التي يتعرض لها فهناك نسبة كبيرة من المتسربين دراسيا والذين دفعوا للعمل تحت حاجات عائلاتهم وعوزها وبذلك نعاني من ازدواج المشكلة بعمالة الاطفال والتسرب المدرسي

 اذا ما علمنا وجود نسبه كبيرة من عمالة الاطفال تعمل في ظل ظروف غير طبيعية وتهددها المخاطر جراء تلك الاعمال ايضا يعاني اطفالنا من العنف الاسري والضرب المبرح على يد معلميهم تبعا لنهج تربوي يتسم بالسلبية في دفع الطلاب من الاطفال الى عملية التعلم والتقبل التربوي والتعليمي كذلك يتعرض قسم كبير من الاطفال لعمليات الاعتداء الجنسي سواء كان من الاقارب او من الغرباء

وهذا مما يستوجب على السلطات الرسمية ايجاد تشريعات عقابية صارمة ضد مرتكبي هذا السلوك الآثم للحد من هذه الانحرافات المجتمعية الخطيرة التي تصيب شريحة رخوة وبضة وتعاني نسبة كبيرة من الاطفال من الامراض النفسية والعضوية جراء انخفاض الوعي الصحي وعدم وجود مؤسسات طبية مخصصة لحماية الاطفال من الامراض

 ورغم ان الدول العربية تتمتع بريع مالي كبير نتيجة ما تنتجه ابار البترول وما تدره البراميل المصدرة منه الا ان سوء التخطيط والادارة الفاشلة في معالجة الازمات شملت كل مناحي حياتنا وقد عانت شريحة الاطفال حالها حل كل العراقيين من هذا الظلم والعسف في توزيع الثروات وادارتها بشكل ايجابي يثمر عنه الاكتفاء الصحي والتعليمي وكل القطاعات

 من هنا يتطلب من الدول العربية  ومنظمات المجتمع العربي  مزيدا من العمل واصدار القوانين التي تصب في خدمة شريحة الاطفال باعتبارهم ركيزة البناء وهدفه وصيرورة الاجيال اللاحقة وبناة الوطن مستقبلا

ولا ننسى ان النظام السابق كان له دور فعال في انحراف الاطفال وتشرذمهم اجتماعيا بسبب سياساته وحروبه الرعناء على ان اهم المشكلات التي يعاني منها اطفالنا تتطلب جهودا مكثفة وعلى كافة المستويات في الجانب الاعلامي والتثقيفي

ودور الاسرة في التوجيه والارشاد والسلوك التربوي السليم الذي يأخذ اهتمامات الطفل ونوازعه وتلبيتها حتى لا يبحث الطفل عن دروب اخرى للتعاطي معها بشكل سلبي وفي هذه المناسبة الاحتفالية والاستكارية النبيلة نتمنى ان يأخذ الطفل العربي حقه في الحياة الحرة الكريمة وان يكون هدفا ساميا لتطويره ورعايته من قبل المسؤولين لأنه البذرة الاولى التي يبنى عليها المجتمع والوطن نتطلع الى ذلك اليوم ونترقب تحقيقه بأسرع وقت

 لان  المشاهد المصورة التي انتشرت مؤخرًا عن عمليات قتل وتدمير وحرق واغتصاب وتفجير باسم الدين وتحت شعاراته، تسيء للدين الحنيف، وتشوه رموزه، وتدمر أية محاولة لنقل صورة صادقة عن واقعنا ومجتمعاتنا للآخرين.

والأخطر أن تربك أجيالنا الجديدة، وتضلل بعضهم، وهو أمر يحتاج لمراجعة لحماية هذه الأجيال، وهو ما يتطلب مراجعة لثقافة الصورة سواء لدى منتجها « وسائل الإعلام» ولدى مستقبلها « الجمهور العربي»، مع العمل على تنشئة جيل عربي يعي المخاطر النفسية والاجتماعية للصورة.

إن إسهامنا العربي في مجال الصور الرقمية القادرة على التصدي لمثل هذا الفكر الإرهابي الضال حتى الآن غير مشرف كما وكيفاً.

إن كم المحتوى العربي على الإنترنت، لا يتعدى 3%، ومكانة الصورة في ثقافتنا لا تزال محل خلاف، وهو ما أمر يحتاج لحسم وفهم ورؤية ثاقبة، لكى نساهم بفعالية في عالم وحضارة الصور، ولكى نرد على الهجمات التي نتعرض لها.

كذلك الحق والباطل في هذه الحياة؛ فالباطل قد يظهر، ويعلو، ويبدو أنه صاحب الجولة والكلمة، لكنه أشبه ما يكون بتلك الرغوة البيضاء التي تطفو على سطح ماء السيل، والمعدن المذاب، سرعان ما تذهب وتغيب، من غير أن يلتفت إليها أحد.

 في حين أن الحق، وإن بدا لبعضهم أنه قد انزوى أو غاب أو ضاع أو مات، لكنه هو الذي يبقى في النهاية، كما يبقى الماء الذي تحيى به الأرض بعد موتها، والمعدن الصافي الذي يستفيد منه الناس في معاشهم حلية أو متاعاً .

وكان من أهم التحديات التي واجهت الطفولة العربية في ذلك الوقت هي غياب الرمز والقدوة والمرشد، وخاصة في مجتمع مثل مجتمعنا العربي ذي الصبغة الشرقية الإسلامية الذي يميل إلى النزعة الذكورية السلطوية الأحادية،

حيث يشكل الأب والأخ الكبير نقطة الارتكاز للعائلة العربية في إدارة حراكها الاجتماعي واتخاذ القرارات المهمة والمصيرية لها والتي قد تشكل نقطة تحول مفصلية في حياة هذه الأسرة ، وهذا ما افتقدته معظم العائلات العربية في خضم هذه الحروب فغياب الأب عن الاسرة لسنوات طولية في جبهات القتال أو مقتله في هذه الحروب،

 ولد فراغ ماديا ونفسيا لدى الطفل العربي ، لم تستطيع الكثير من الأمهات تعويضه أو احتوائه لأسباب كثيرة تعتمد على الخلفية البيئية والاجتماعية للأسرة نفسها، أو عن القدرات الذهنية والتعليمية التي تمتلكها الأم لتمكنها من أن تلعب دور الأب والأم في نفس الوقت للتغلب على التحديات التي تواجه الأسرة في معترك هذه الحياة … وفي تقرير لخمسة منظمات عالمية اعتبرت العراق الدولة الاولى في عدد الأرامل والأيتام حيث بلغ عدد الأيتام في الحروب الثلاث التي خاضها العراق منذ عام 1980 ولغاية حرب 2003 خمسة ملايين يتيم،

 وهذا مؤشر خطير عن عظم المشكلة الاجتماعية التي عاشها المجتمع العراقي خلال هذه الحقبة، والتي نشهد تجلياتها في الوقت الحاضر عبر الكثير من السلوكيات والطبائع الغريبة والشاذة عن مجتمعنا التقليدي النزعة، والتي هي نتاج لحالة التفكك الأسري الذي شهدته الكثير من العائلات العراقية بفعل تلك الحروب …

وقد رافقت هذه الحروب نقطة تحول اجتماعية أخرى والتي بدت أكثر خطورة من الحروب نفسها، وهي محنة الحصار الاقتصادي الذي فرضه الغرب على الشعب العراقي وليس على نظامه كما يدعون، وكانت الطفولة من أولى ضحايا هذه الجريمة الدولية بحق المجتمع العراقي، فقد كان النظام يبتز المجتمع الدولي باستعراضه لنعوش الأطفال الخارجة من بوابات مستشفيات العراق آنذاك، بحجة إنهم ضحايا نقص الحليب والدواء، بمشهد يندى له جبين الإنسانية جمعاء لا لأنها منعت الحليب والدواء عن أطفال العراق

كما كان يدعي النظام حينها، بل لان الغرب الذي يدعي التحضر والرقي، كان سببا بوجود مثل هكذا أنظمة دموية تتاجر بدماء ومعاناة أبناء بلدها ولم تسلم حتى الطفولة من البروبغاندا الإعلامية التضليلية التي كانت تظهرها للعالم، لنيل مكاسب وأمجاد شخصية لرأس النظام، لكن مشاكل الطفولة العراقية لم تقف عند هذا الحد في محنة الحصار بل امتدت إلى أدق تفاصيل حياتها كون الطفل يشكل جزء حيوي من الأسرة العراقية التي عانت من سياسة شد الحزام الظالمة التي مارسها النظام آنذاك، فانتشرت ظاهرة التسول والعمالة والتسرب من مقاعد الدراسة لدى الأطفال،

وبدء المجتمع العربي يألف رؤية الأطفال وهم يجوبون الأسواق كباعة متجولين أو يستجدون العابرين طلبا للمال، لتستطيل هذه الظاهرة السلبية إلى ما بعد سقوط الصنم عام 2003 بل وتتفاقم أزمة الطفولة العراقية أكثر فأكثر بعدما تحول الطفل العراقي إلى هدف سهل للإرهاب، ووسيلة من وسائله لترويع المجتمع العراقي وكسر شوكته وفق مفهومه في ما يسمى (إدارة التوحش ) وصدم المجتمعات المراد السيطرة عليها من قبل الجماعات المتطرفة، وشل حركتها وسلب إرادتها عبر سلسلة من الأعمال الوحشية،

 والتي من بينها قتل الطفولة على أبواب المدارس وملاعب الكرة والمتنزهات والأسواق ، ونحرهم أمام أنظار إبائهم وأمهاتهم ، في مشاهد قريبة جدا لما فعلته مليشيات جيش الرب في أوغندا أو ما جرى في رواندا بين قبائل الهوتو والتوتسي في تسعينيات القرن الماضي ..

. لكن في العراق هناك مفارقة غريبة كون كل ما يحدث هو باسم الإسلام وتحت رايته وتصاحبه صيحات التكبير والتهليل، وفي تقرير لوزارة حقوق الإنسان العراقية نشر نهاية 2013 إن عدد ضحايا الإرهاب من الأطفال في العراق وصل حتى شهر أيلول من نفس العام إلى 115 شهيد وفي عام 2011 بلغ 96 شهيد و ثلاثمائة جريح، وفي 2012

ارتفع ليصل العدد إلى حوالي 160 شهيد وأكثر من ثمانمائة وخمسون جريح في منحى تصاعدي ذي دلالة على الاستهداف الممنهج من قبل الإرهاب لهذه الشريحة البريئة بكل المقاييس الإنسانية والشرائع السماوية والأعراف الاجتماعية، فقد أسقطت عن الطفولة بعنوانها العريض والشمولي كل التكاليف الشرعية والحدود ولم توضع في أي خانة سوى خانة الرحمة والرعاية والرفق بها …

ومن التحديات الخطيرة التي تعرضت لها الطفولة العراقية الآن هي اتساع ظاهرة اليتم بعدما ضرب الإرهاب الأعمى بأطنابه كل مفاصل الحياة العراقية وذهب ضحيته مئات الآلاف من الرجال والنساء الذين يشكلون العمود الفقري لأي لأسرة في المجتمعات الإنسانية … لكن هل الإرهاب وحده من يهدد الطفولة العراقية في الوقت الحاضر …؟..

التعليقات