الجمعة - الموافق 01 مارس 2024م

احذروا التطفيف في المكيال والميزان فإنه أهلك من كان قبلكم!!….بقلم: د/هند درويش

لقد أرسل الله الرسل والأنبياء لينذروا قومهم أسباب هلاك الله للأمم السابقة حتى يحذروها، ومن هذه الأسباب التي سنتحدث عنها في هذا المقال ” التطفيف في المكيال والميزان ” ولقد حذر نبي الله شعيب قومه بأن لا ينقصوا المكيال والميزان، فقال لهم أني أراكم في نعمة من مال وصحة وعافية فلماذا تبخسوا حقوق الناس؟!! ، فإن ذلك لا يزيد من أموالكم شيئاً كما تظنون !! بل يمحق بركتها وقد تؤدي بكم إلي هلاك عام كما أهلاك الله الأمم السابقة من قبلكم قال تعالى: ” وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ” (هود: 84). ولكن أكثر الناس في كل زمان كانت لا تلقى لهذه النصائح بالاً ولا تعيرها اهتماماً!! وفتنتهم الدنيا بزينتها فأصابهم سوء العاقبة كما أصاب الأمم السابقة من قبلهم، فأهلكهم الله بالصيحة وأنجى الله سيدنا شعيب عليه السلام والذين ءامنوا معه قال تعالى: ” وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ” (هود:94). فالتطفيف في المكيال والميزان كان سبب هلاك الله لقوم شعيب نتيجة لحب جمع المال بشتى الطرق والوسائل حتى لو تعارضت مع القيم الإنسانية ومصالح المجتمع، وهذا الأمر ينطبق على كل التعاملات بالمال التي يأكل فيها أموال الناس بالباطل وهذه الشهوة ذمها الله لأن فيها إيثار للدنيا على الآخرة بقوله تعالى: ” وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ” (الفجر: 20). أي: كثيرًا شديدًا، وفي قوله تعالى: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } { كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ } .
وبالمثل ولأن سنن الله في هلاك الأمم ثابتة فإن المرحلة التي سبقت الهجمات الصليبية على العالم الإسلامي كانت تسودها فساد في الحياة الاقتصادية كانتشار المحتكرين الذين يحتكرون السلع والمنتجات ويتفنون في رفع الأسعار، فضرب التجار والبائعين أسوء النماذج في استغلال الظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد وذكر ابن الكثير في كتابه ” البداية والنهاية” ففي عام 511ه بلغ سعر الكر من القمح ثلاثمائة دينار، وتفشى في المجتمع اللجوء إلي أساليب الكسب الغير مشروعة من انتشار الغش والكذب والتطفيف في الميزان والمضاربة والرشوة ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تعدى إلي رفع الضرائب الباهظة على الحجاج لتأدية مناسك الحج ، وإذا وصل حال المجتمعات الإنسانية إلي الصراع والتنافس على الدنيا أهلاكهم الله وهذا ما حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم ” والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أَنْ تُبْسَط عليكم الدُّنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلككم كما أهلكتهم ” (رواه البخاري والمسلم ).
فاحذروا التنافس على الدنيا، فإن الحالة السائدة في المجتمعات على مر الزمان قبل أن تقع في الهلاك هي التنافس على الدنيا، وظن الإنسان بعقليته المادية المحدودة ونظرته القاصرة أنه بتقدمه المادي سيطر على الأرض وهو لا يعلم أن التقدم المادي والصراع على الدنيا مع البعد عن الله هي لحظة الفناء!! فإن الحق سبحانه وتعالى يصور لنا الدنيا بزينتها ومتاعها كماء المطر الذي سقط على الأرض فأنبتت الحبوب والثمار والكلأ والعشب الذي يأكل منه الناس والأنعام ” إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ” (يونس: 24). {‏حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ‏}‏ تفسير السعدي: أي‏:‏ تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، فصرت ترى لها منظرًا عجيبًا ما بين أخضر، وأصفر، وأبيض وغيره‏.‏ {‏وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ طمعوا أهلها فيها وصارعوا على التنافس عليها، فهم يروا أن ذلك سيستمر ويدوم، فبينما هم في تلك الحالة ‏{‏أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏} أي ان اللحظة التي ظن الإنسان أنه مسيطر سواء على مستوى الفرد أو الأمم والانشغال والعمل للدنيا فقط ونسيان الآخرة يأتي أمر الله بالهلاك كأنها لم تكن!! ” فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ” (يونس:24). فعندما يصبح الشر والباطل هو القاعدة، والخير والحق هو الاستثناء يهلك الله الأمم بالحروب العسكرية أو الأوبئة أو المجاعات أو تسليط الطبيعة من فيضانات وزلازل وأعاصير وغيرها.
ولقد ضرب الله مثلا لقوم أهلاكهم الله بذنوبهم فخربت أكثر مساكنهم إلا القليل قال تعالى: ” وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ” (القصص: 58). فإن الدنيا بزينتها في قصر مدتها وفناء لذاتها بالنسبة للآخرة كما صورها لنا النبي (ص) كمن وضع إصبعه في ماء البحر ولم يخرج بشيء ” والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليم (البحر)، فلينظر بم ترجع؟ (صحيح مسلم). فالدنيا دار عمل واختبار وليست دار نعيم واستقرار فمن الحكمة أن يعمل الإنسان لدرار الآخرة لأنها دار خلود أما الدنيا فمهما حصل الإنسان على كل متاع الدنيا من مال وجاه وغير ذلك فهو قليل بالنسبة لنعيم الآخرة قال تعالى: ” فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ” (التوبة: 83). ومهما طال عمر الإنسان فيها فهو إلي الزوال!! قال تعالى: ” كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ” (الرحمن: 26-28). لذلك فمن الفطنة والحكمة مجاهدة هوى النفس ومحاسبتها والعمل لدار الآخرة مع عدم نسيان نصيبنا من الدنيا كما حثنا النبي صلى الله عليه وسلم: ” الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ (حسابها)، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّهِ ” (رواه الترمذي). فمن عرف حقيقة الدنيا أدرك أنها لا تستحق كل هذا الصراع فهي هينة عند الله ولا تساوي جناح بعوضة، ولو كانت الدنيا غالية عند الله ما سقى كافر منها شربة ماء ” لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْها شَرْبَةَ مَاءٍ ” (رواه الترمذي).

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك