الأربعاء - الموافق 14 أبريل 2021م

ابنة المنيا التي انقذت ثورة 1919م .. بقلم الدكتور قاسم زكى احمد

انها “دولت فهمي” التي لا يعرفها أحد، لكنها انقذت الجهاز السري لثورة 1919م من القبض عليه وبالتالي فشل الثورة، وبقاء المحتل البريطاني جاثما على انفاس مصر المحروسة دون أدني درجة من الحرية. “دولت فهمي” قدمت تضحية يندر ان تحدث في التاريخ، لكن يا للأسف مازال لا يعرفها الكثيرون. وصفها الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين بأنها كانت “فدائية وعلى جانب كبير من الجمال”، ووصفها الأستاذ مصطفى ابراهيم طلعت “بعذراء الحرية وچان دارك العرب وفخر الفداء للوطن “. لذا نكتب عنها هنا بعد قرابة مئة عام على انتهاء تلك الاحداث.
دولت فهمي هي فتاة مصرية من قرية أبو عزيز (بمركز مطاي) محافظة المنيا، (حوالي مائتي كم جنوب القاهرة). هي ابنة الحسب والنسب وأكابر القرية، فهي من عائلة “شادي” العريقة بمحافظة المنيا ذات الأصول الحجازية، عائلة ينتهي نسبها إلى السادة الأشراف من آل بيت رسول الله “صلى الله عليه وسلم”. انتقلت دولت للعيش في القاهرة وانشغلت بقضية تعليم البنات حتى أصبحت وكيلة مدرسة الهلال الأحمر للبنات بالقاهرة. واستطاعت من خلال موقعها الوظيفي أن تحشد جموع المرأة للخروج في ثورة 1919م. لم ينته دورها السياسي بانتهاء الثورة، لكنها انخرطت في العمل السياسي بشكل تنظيمي فكانت عضواً في التنظيم السري. ذلك التنظيم الذي أطلق عليه “اليد السوداء”. وكان عملها السري سبباً أساسيا في أن لم يعرف أحد من هي دولت فهمي، فقد كان العمل كله يتم في سرية تامة. كان الجهاز السري برئاسة عبد الرحمن بك فهمي، وكان يتكوّن من هيئة رئيسية لها فروع، وكل ذلك يتم بسرية تامة كي لا يعرف أحد.
ففي الفترة الممتدة من لحظة القبض على سعد باشا زغلول وحتى الإفراج عنه (خلال عام 1919م) ثم سفره إلى أوروبا حتى عودته عام 1922م كان العمل السري هو أداة الضغط الرئيسية ضد السلطات الإنجليزية والسرايا والمنافقين. كانت التعليمات تُكتب بالحبر السري في باريس بمعرفة سعد زغلول ويتم نقلها إلى عبد الرحمن فهمي باشا بالقاهرة لتتحول إلى التنفيذ المباشر وسط هلع وذعر قوات الاحتلال وأذنابها.
***
والشخصية الرئيسية الثانية في قصتنا تلك هو أيضا من أبناء المنيا، انه عبد القادر محمد شحاتة (في الواحد والعشرين من عمره) شاباً ثوريا حتى النخاع، كان طالبا بالمدرسة الإلهامية الثانوية بالقاهرة – وكان له دور رئيسي في أعمال ثورية سابقة بالمنيا وصعيد مصر، وأصدرت سلطات الاحتلال البريطاني بحقه حكماً بالإعدام بالرصاص؛ لم يُنَفَّذ إذ هرب بمساعدة حكمدار المنيا خليل حافظ الذي تحدّى قرار البريطانيين. وفى القاهرة انضم شحاتة إلى التنظيم السري لثورة 1919م. كان من معتقدات الثورة أنه لا يجوز لمواطن مصري أن يقبل أي منصب وزاري في ظل الحماية البريطانية، لأن ذلك يعتبر خيانة للوطن. لذا كلف شحاتة بمهمة تهديد وزير الأشغال محمد شفيق باشا باغتياله بإلقاء قنبلة على موكبه، وقد قام بها بشجاعة (عام 1920م).
كانت السلطة العسكرية البريطانية تريد إثبات أن الحادث مؤامرة كبيرة، وتبحث عن شركاء، وتحاول معرفة قادة الجهاز السري، لذا كان المحققون يحاصرون شحاتة، ليعرفوا أين كان يبيت. وبدأت سلطات التحقيق تمارس أفظع ألوان التعذيب لتعرف منه أسماء قيادات الجهاز السري، لكنة رفض الاعتراف حتى لا ينهار الجهاز السري ويسقط في يد المخابرات البريطانية (حيث كان متواجداً في منزل أحمد ماهر باشا” رئيس وزراء مصر فيما بعد) ومساعد عبد الرحمن فهمي رئيس الجهاز السري. وخشي الجهاز السري أن يعترف عبد القادر تحت ضغط التعذيب فأرسلوا له رسالة تدعوه لتضليل المحققين. الرسالة تفيد بأن سيدة اسمها دولت فهمي، تعمل وكيلة في مدرسة الهلال الأحمر، ستتقدم للشهادة، وتقول إنه كان يبيت عندها، وإنه يجب أن يدلي هو بنفس الحكاية، رغم أن هذا يسيء إلى سمعتها وسمعته. وبالفعل جاءت دولت واعترفت بأن عبد القادر كان يبيت عندها ليلة الحادث وان بينهما علاقة حب. في حين انها كانت المرة الأولى التي يراها وتراه ولم يسبق لهما اللقاء او التعارف في حياتهما.
حكمت المحكمة العسكرية البريطانية على شحاتة بالإعدام شنقاً، ومكث 21 يوما بالبدلة الحمراء، وفى اليوم الثاني والعشرين ابلغوه انه تم استبدال حكم الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة طوال الحياة، وكان عمر شحاتة وقتها 21 عاما.
ويقول عبد القادر في مذكراته ” قضيت أياماً وليالي أفكر في هذه السيدة التي ضحت بسمعتها وشرفها من أجل إنقاذي والثورة، وكانت تملأ خيالي، ويناجيني طيفها النبيل عبر قضبان السجن الكئيب.. حتى أحسست أنى أحبها فعلا.. ومضت أربع سنوات تعيسة قضيتها في ليمان طره، حتى جاءت حكومة الشعب الأولى برئاسة سعد زغلول (عام 1924م)، فأفرج عني ضمن مجموعة الفدائيين الذين سجنتهم سلطات الاحتلال.. وكان أول ما فكرت فيه بعد عودتي إلى الحرية هو البحث عن دولت لأتزوجها.. ولكن الجميع كانوا يتهربون منى ويطلبون منى أن اكف عن السؤال عنها. لم اكف عن السؤال حتى وجدت نفسي أمام الحقيقة المفجعة؟؟
***
وكان من حظ ابنة المنيا الشهيدة، أن قيض الله لها من رفع الغبن عنها ورفع اسمها عاليا خفاقا في سماء الوطنية، وذلك عبر عمل سهرة تليفزيونيه عام 1987م، تروي قصتها باسم “دولت فهمي التي لا يعرفها أحد”. كتب القصة بإتقان الكاتب الكبير مصطفى أمين، وانجز السيناريو والحوار عصام الجمبلاطي، وقام بدور دولت فهمي الفنانة القديرية سوسن بدر، ودور عبد القادر شحاته الفنان الراحل ممدوح عبد العليم. بينما صاغ الأشعار الموهوب سيد حجاب، وغنى الكلمات بصوته الشجي المعبر الفنان على الحجار واخرج السهرة القديرة أنعام محمد على، وأنتج العمل اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري. كما تناولت بعض أحداثها حكايتها أيضا رواية )١٩١٩(للروائي والسيناريست أحمد مراد.
ومازال أبناء قرية أبو عزيز يفتخرون بسيرة ابنتهم دولت، فهمي يعتبرونها واحدة من أبرز القيادات النسوية على ساحة العمل السياسي والاجتماعي بمصر، ونحن بالفعل مقتنعين بذلك..

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك