الأربعاء - الموافق 27 يناير 2021م

إسرائيل والعرب سلام أم تطبيع أم مصالح مشتركة .. بقلم : الدكتور عادل عامر

تُولي إسرائيل إقامةَ علاقات طبيعية مع الدول العربية أهميةً قصوى. فإلى جانب رغبتها الدفينة في الحصول على شرعية لسطوها المسلح على فلسطين، ما انفكت إسرائيل تسعى، ولا سيما تحت قيادة نتنياهو، الذي يقود واحدة من أكثر الحكومات يمينية وفاشية في تاريخ إسرائيل، إلى تطبيع علاقاتها وتعزيزها مع الدول العربية، وإلى التوصل إلى اتفاقيات سلام معها، وذلك في وقت تستمر فيه إسرائيل في تعزيز الاستيطان والتهويد،

تمهيدًا لضم أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويواصل نتنياهو رفضه مبدأ “الأرض مقابل السلام”، الذي نادت به مبادرة السلام العربية لعام 2002، واستعاض عنه بمبدأ “السلام مقابل السلام”.

ويدرك نتنياهو أن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وعقد اتفاقيات سلام معها، قبل التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، ينزع أحد أهم عناصر القوة من الفلسطينيين، ويعزلهم عن عُمقهم العربي، ويسهّل على إسرائيل تهميش قضيتهم، والتفرُّد بهم، وكسر إرادتهم، وفرض الاستسلام عليهم.

وتستمر إسرائيل، تحت قيادة نتنياهو، في إنكار أن القضية الفلسطينية هي لبُّ الصراع العربي – الإسرائيلي، وتسعى إلى إيجاد مصالح مشتركة بينها وبين العديد من نُظم الحكم العربية من دون حل القضية الفلسطينية (مثلًا: ضد ما تعدّه العدو المشترك المتمثل بـ “الخطر الإيراني”، وقوى التغيير الديمقراطي في المنطقة العربية، والحركات الإسلامية على أنواعها).

لقد أقدمت بعض الدول العربية على التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل بعد الاعتراف الأميركي بضم القدس، وفي مرحلة توسيع الاستيطان على نحو غير مسبوق. إنها تدرك جيدًا أن سياسات نتنياهو هي الأسوأ؛ في كل ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وقرارات جامعة الدول العربية، ومبادرة السلام العربية، وهو ما يتناقض حتى مع مواقف بعض الدول العربية السابقة المعلنة من القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي.

تتمسك السلطة الفلسطينية بمطلب إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، وأظهرت خلال السنوات الماضية مرونة كبيرة تجاه قضايا الصراع الأساسية، ومع ذلك رفضت إسرائيل جميع مقترحات السلام المقدمة، وعملت بشكل واضح على تقويض أركان السلطة ومؤسساتها، وخاصة في مدينة القدس التي صعَّدت إسرائيل مؤخراً من حربها على وجود السلطة فيها.

يفترض هذ السيناريو إقدام بعض القيادات العربية على التطبيع، امتثالاً للضغوط الإسرائيلية والأمريكية، في ظل تصاعد التوترات المحلية والتهديدات الإيرانية، وقد تدفع هذه القيادات في اتجاه تعديل المبادرة العربية للسلام ومقاربتها مع المبادرة الأمريكية التي لا تحقق المطالب الفلسطينية. وهذا السيناريو وإن كان هو المرجح فإن إقدام بعض القيادات العربية على خطوة كهذه معناه تسليم قيادة المنطقة لإسرائيل، فالتطبيع مع إسرائيل سيتعدى القضية الفلسطينية إلى السيطرة الإسرائيلية سياسياً على المنطقة على حساب الدول العربية.

يتوقع هذا السيناريو أن تُفشل الشعوب العربية التطبيع؛ لكونها ترى في إسرائيل العدو الأول وفي القضية الفلسطينية القضية الأولى، كما هو خيار حركة حماس التي ترفض التطبيع بكل أشكاله، وما يضعف هذا السيناريو انشغال الشعوب العربية بقضاياها الداخلية، وإصرار بعض القيادات العربية على التطبيع. مع كل هذا فإن خيار التطبيع، بأي صيغة كان، إن تم فإنه سيظل بعيداً عن الشرعية الشعبية، وستظل مظاهره معزولة عن الاعتراف الشعبي، ورغم كل الأحداث التي تشهدها المنطقة فإن المزاج الشعبي العربي سيبقى رافضاً للتطبيع، وحتى بعض القيادات العربية ستظل في حالة من عدم الثقة في الإقدام على خطوة كهذه، وسيلقى هذا الخيار تأييداً إسلامياً كبيراً، على مستوى كثير من القيادات والشعوب الإسلامية.

في المرحلة الماضية كانت هناك رغبة لدى بعض القيادات العربية في التطبيع، ولم يحد من هذه الرغبة إلا رفض الشعوب العربية لها والرفض الإسرائيلي للبنود العربية المقترحة، أما الآن فقد تهرول القيادات العربية نحو التطبيع، مستغلة انشغال الشعوب بقضاياها الداخلية، ومتذرعه بطول الصراع والانقسامات الفلسطينية، حيث يتوقع أن تدفع هذه القيادات إلى إقرار التطبيع عبر الجامعة العربية، أو توفير مظلة تلزم الدول بالتطبيع.

وفي المقابل، وبعد أن أعلن الرئيس الأمريكي القدس عاصمة لإسرائيل، وعرقلة إسرائيل لكل المبادرات العربية، فيبدو أن الإدارة الأمريكية ترغب في فرض الصيغة الأمريكية للسلام إرضاء لإسرائيل، وهي الخطوة التي كان من المفترض الإعلان عنها منذ وقت مبكر، لكن نتيجة انشغال دول عربية تعول عليها أمريكا كثيراً في التعاطي الإيجابي مع المبادرة بقضايا داخلية، أُخِّر إعلانها، ومع هذا فإن خيار التطبيع من كل الدول العربية يبدو مستحيلاً.

يُضعف هذا السيناريو طبيعة الصراع وصيرورته التاريخية، ووجود فاعلين آخرين متمثلين بحركات المقاومة، والتي أصبحت أكثر قدرة وخبرة على إدارة الصراع، بالإضافة إلى غياب المصالح الاستراتيجية للدول المطبعة مع الاحتلال الإسرائيلي، وتعاظم مخاطر الهيمنة الإسرائيلية على دول المنطقة العربية

وإسرائيل هي ديمقراطية تشارك مصالح واشنطن في الاستقرار الإقليمي، وفي التحولات الديمقراطية الناجحة في الأنظمة الاستبدادية سابقاً، وفي مواجهة التطرف الإسلامي العنيف، وفي منع انتشار أسلحة نووية إضافية في الشرق الأوسط. وقد سلطت الانتفاضات العربية الأضواء على الأسس غير المستقرة لبعض حلفاء واشنطن العرب التقليديين.

وفي زمن من عدم اليقين إلى حد كبير وتزايد التوترات مع إيران من المرجح أن تكون الولايات المتحدة أكثر اعتماداً على حلفائها غير الديمقراطيين الأكثر استقراراً مثل المملكة العربية السعودية، وحلفائها الديمقراطيين المستقرين مثل إسرائيل وتركيا، لتأمين مصالحها في المنطقة.

عد استعادة الحيوية والقدرة التنافسية لاقتصاد الولايات المتحدة أمراً حاسماً للحفاظ على الريادة الأمريكية العالمية. ويشكل الابتكار التكنولوجي مفتاح تحقيق هذا الهدف. وبالرغم من أن إسرائيل هي دولة صغيرة إلا أنها تُعد من بين أفضل الدول الست في جميع أنحاء العالم في مختلف مؤشرات الابتكار. إن الاستثمار الأمريكي الإسرائيلي وبرامج البحث والتطوير والمشاريع المشتركة تسهم جميعها في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل للعمال الأمريكيين في مجالات تكنولوجيا المعلومات والبحث والتطوير الطبي والدفاع.

وتعتبر إسرائيل من بين أهم عشرين مستثمراً دولياً مباشراً في الولايات المتحدة، كما أن التجارة البينية بين أمريكا وإسرائيل تتصدر قائمة تضم عدد من البلدان هي أكبر بكثير من الدولة اليهودية، كإسبانيا والمملكة العربية السعودية.

وعلاوة على ذلك، ففي مجالات متخصصة معيّنة (مثل تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، والتكنولوجيا النظيفة ومصادر الطاقة المتجددة، والأجهزة والأدوات الطبية الحيوية، والدفاع) تلعب إسرائيل دوراً كبيراً جداً.

فقد أقام العديد من أكبر شركات التكنولوجيا الفائقة في الولايات المتحدة حاضنات كنولوجية في إسرائيل (بما في ذلك “مايكروسوفت”، و”آپل”، و”سيسكو”، و”مختبرات أبوت”، و”آي بي إم”، و”غوغل”، و”جنرال إلكتريك”، و”جنرال موتورز”). وبالإضافة إلى ذلك أقامت الولايات المتحدة وإسرائيل عدة مؤسسات ثنائية ناجحة جداً لتحفيز برامج البحث والتطوير المشترك والمشاريع الجديدة في مجال التكنولوجيات الناشئة، مما در عائدات إضافية بلغت مليارات الدولارات على مدى ربع القرن الماضي.

إن الإدراك بأن إسرائيل تتحمل قدراً من المسؤولية عن المأزق الحالي مع السلطة الفلسطينية قد اكتسب زخماً في مختلف الدوائر في الولايات المتحدة، بما في ذلك في أجزاء من واشنطن الرسمية، ويمكن أن يهدد ذلك يوماً ما العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا هو إلى حد كبير جرح ذاتي؛

ومن شأن ممارسة المزيد من ضبط النفس – فيما يتعلق بمصادرة الأراضي وتدمير المساكن الفلسطينية غير المشروعة وبناء المستوطنات – المساعدة على تجنب التوترات غير الضرورية بين إسرائيل والولايات المتحدة في الوقت الذي يتم فيه الحفاظ على التركيز على المصالح المشتركة الكثيرة التي يشاطرها هذان الحليفان.

إسرائيل هي بلد صغير، ولكنها تساهم بشكل كبير في عدد من المجالات الهامة لأمن الولايات المتحدة. فالابتكارات الإسرائيلية في عدد من النطاقات المدنية – مثل تكنولوجيا الإنترنت، وصيانة المياه وإدارتها، والزراعة ذات التكنولوجيا الفائقة، وبرامج البحث والتطوير في مجال الطب، وطاقة التكنولوجيا النظيفة/المتجددة، والمرونة المجتمعية – لديها القدرة على مساعدة الولايات المتحدة على تحقيق العديد من قضايا الأمن “اللينة” والقدرة التنافسية الاقتصادية العالمية في المستقبل.

ولكي يمكن تحقيق هذه الإمكانات بصورة كاملة، هناك حاجة إلى مزيد من الاعتراف بأن إسرائيل لا تجني فوائد جمة من دعم الولايات المتحدة فحسب، بل تساهم أيضاً بشكل كبير في دعم مصالح الولايات المتحدة. فقوة إسرائيل واستقرارها، إلى جانب انجازاتها العسكرية والتكنولوجية والعلمية، تعزز من قدرة الولايات المتحدة على تلبية المتطلبات الأمنية والاقتصادية ومتطلبات التنمية (في الداخل والخارج) التي لا غنى عنها بشكل متزايد للحفاظ على الازدهار والريادة الأمريكية.

بالطبع، إذا نجح العرب، بمساعدة الأميركيين، في حمل إسرائيل على إلغاء خطط الضم بشكل نهائي، وليس تأجيل تنفيذها مؤقتاً، فإنَّ الوضع سيبدو أفضل بكثير إن إدارة ترامب اقترحت خطة واقعية للسلام الفلسطيني الإسرائيلي، وهي أول خطة تأخذ بجدية مصالح إسرائيل الوطنية والأمنية لهذا السبب أعتقد أنها ستكون الخطة الوحيدة التي سيتم تنفيذها.

ليس من قبيل المبالغة القول إن طهران مستعدة، إلى حدٍّ كبير، للتفاوض بشروط واشنطن، ولو ادعى قادتها غير ذلك. فنظامها، الذي لا يستطيع تثبيت عملته أو حماية شعبه من ويلات جائحة كورونا، يحتاج إلى رفع العقوبات عن كاهله ولو جزئياً، ويدرك أن الطريق إلى الاقتصاد والنظام المالي العالميين يمر عبر واشنطن لا محالة. أي سياسة أميركية تبدد ما حققه نهج الضغط الأقصى على إيران تعد استهتاراً، وتمكيناً لنظامها، وبالتالي إجحافاً بحق العرب الذين تهددهم وبحق الشعب الإيراني ذاته.

أما الملف الثاني الذي ينتظر بايدن في منطقتنا فهو عملية السلام العربي الإسرائيلي التي شهدت تطورات متسارعة زمن ترمب، وانقسمت الآراء حولها بين محبّذة ومتحفظة. لكن أياً كان الموقف من هذه القفزات النوعية، من الأكيد أنها تمت بوتيرة غير مسبوقة منذ عقود، إذ مضى نحو ربع قرن على آخر اتفاق سلام بين العرب وإسرائيل. والحق أن حال الفلسطينيين لم تتبدل في هذه المدة ولم يقتربوا من تحقيق هدفهم في بناء الدولة، بل جرى استخدام قضيتهم مراراً لتبرير تدخلات القوى الإقليمية (كإيران وتركيا) الطامعة في الهيمنة على كل الأجزاء التي تقع في قبضتها من بلاد العرب.

من الضروري الإشارة هنا إلى أن بايدن يعترض على أساليب ترمب في التعاطي مع القضية الإسرائيلية الفلسطينية، ولكن ليس على نتائج هذا التعاطي. فقد رحب بايدن باتفاقيات التطبيع وقال إنه سيدفع المزيد من دول المنطقة للمضي نحو إبرام صفقات مماثلة. بيد أنه أعرب عن معارضته “الأحادية” التي اتسم بها نهج ترمب تجاه إسرائيل والفلسطينيين.

هكذا قد يلغي الرئيس الجديد الحظر الذي فرضه سلفه على الدعم الاقتصادي والإنساني للفلسطينيين، ويعيد فتح بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. إلا أنه في الغالب لن يحاول عكس قرارات ترمب بشأن بعض النقاط المفصلية في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، مثل القدس والمستوطنات، وذلك لسببين رئيسين على الأقل: الأول يتمثل في أن إسرائيل تحظى تاريخياً بمعاملة تميزية من قبل أميركا أياً كان رئيسها، أما الثاني فهو أن إلغاء تلك القرارات سيضع الرئيس في مسار تصادمي مع مؤيدي إسرائيل النافذين للغاية في واشنطن.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك