الأربعاء - الموافق 23 يونيو 2021م

إبليــس ولاقيـــس بقلم الأديب المصرى د. طارق رضوان جمعه

ذُكِرَ أن من أسماء الشيطان، عزازيل، ومن المعروف أنه اسم عبراني بامتياز، وأنه قد ظهر للمرة الأولى في النصوص الكتابيّة اليهوديّة في سفر اللاويين. أيضاً توجد بعض الأسماء التي تظهر فيها أثار الدمج بين الثقافة العربيّة والكتابيّة، ومن أهمها، أبو الكروبيين، وهو اسم مشتق من كلمة “كروبييم” وهم نوع من الملائكة له أجنحة، ويختصّ بالعبادة والتسبيح. ومن ذلك أيضاً الشيطان “خنزب”، الذي ورد في صحيح مسلم أنه يشغل المسلم في صلاته، والشيطان “هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس”، والذي قابله الرسول في جبال تهامة.
وذكر ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق”، من أن رجلاً قد أتى الإمام الشعبي تـ 100هــ، وسأله “ما اسم إمرأة إبليس؟” فرد عليه الشعبي ساخراً “أن ذاك لعرس ما شهدته”. وتجد أن شمس الدين القرطبي في القرن السابع من الهجرة، قد قام في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن” بالردّ على السؤال الذي وجه إلى الشعبي بقوله “إن إبليس قد ادخل فرجَه في فرج نفسه، فباض خمس بيضات، فهذا أصل ذريّته” أو “إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكراً، وفي اليسرى فرجاً، فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطاناً وشيطانة…”. تلك التفسيرات الميثولوجيّة، والتي تقترب كثيراً مع تفسيرات توالد الآلهة بطريقة ذاتيّة في الثقافات السومريّة والأشوريّة والبابليّة القديمة، لجأت إلى الإستعانة ببعض الروايات والأحاديث المتواترة، ومنها على سبيل المثال ما ذكره الإمام النووي في كتابه “المنهاج في شرح صحيح مسلم”، والذي أورد فيه قول الرسول “لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرّخ”
وذم الله عز وجل الغضب وقرنه بالجاهلية كما مدح المؤمنين بما أنزل عليهم من سكينة قال تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26] وفي هذا يقول الإمام الغزالي: عن عكرمة في تفسير قوله تعالى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: 39] قال: (السيد الذي لا يغضب، ثم يقول: وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب وأن الأسباب المهيجة له هي: الزهو، والعجب، والمزاح، والهزل، والهذي، والتعبير، والمماداة، والمضادة والعذر، وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة ولا خلاص منها إلا بأضدادها.
الغضبة أفة،وهو بداية لكل رذيلة تُغضب الله عزوجل. لذلك أوصانا الحبيب المصطفى بالتروى وعدم الغضب. وكان غضب وبخل قوم لوط عليه السلامهو بداية هلاكهم.فقد كانوا على غنى وثراء عظيم، وكان لهم ثمر فى منازلهم وحوائطهم، فأصابهم قحط شديد وقلة من الثمار. فقال بعضهم لبعض:” إنكم أن منعتم الغرباء من ثماركم فانكم ستوفرون الكثير لأنفسكم وأهليكم. فقال الشيطان لأحدهم:” إذا اردتمم أن تمنعوا الغرباءمن الثمارفانكحوا من يأتى إليكم من رجل غريب أو ضيف وخذوا منه ماله.فان الناس لن تجرؤ على المرور من بلادكم ولن يقترب أحد ن ثماركم لأنه يعلم أن العقاب شديد”.
وفــى أحد الأيام تمثل لهم إبليس اللعين فى صورة شاب جميل ومر من ناحية ديارهم فأرادوا أن يؤذوه وفعلوا الفاحشة معه حتى أنسوها وأعتادوها وأحبوا هذه المعصية. وبداوا يفعلوا الفاحشة مع بعضهمالبعض وتركوا وهجروا النساء وأعتزلوهم وهموا بالصبيان والرجال.
يقول الله سبحانه وتعالى:” أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (العنكبوت 29)
إن قوم لوط عليه السلام قدفعلوا هذه الفاحشة العظيمة التى لم يسبقهم إليها أحد من العالمين. فلما رأى الشيطان أن الرجال قد فعلوا ما اراده منهم، أرسل أبنه “لاقيس” فى صورة جارية جميلة مدلله. فذهبت إلى إحدى النساء فى هيئة بشر لتشتكى وتقول :” إن زوجى قد أعتزلنى وأتخذ الغلمان وأنه حطم شبابى وزهرة حياتى “. فأصبحت النساء تغضب مثلها من أجل أزواجهن،وأصبحت كلإمرأة تشتكى وتُظهر غضبهاوحزنها منفعل زوجها. فقالت لهم “لاقيس” دعونا نستغنى عنهمكما أستغنوا عنا، فلسنا بحاجةإلى الرجال ثم أغرتهن أن تفعل المراة بالمرأة مثلما يفعل الرجال ببعضهن.
وبدات “لاقيس” تفعل هذه الفاحشة مع إمرأة منهن وذهبت إليها لتغريها بحسنها، ثم أقنعتها بأن تتعرى من ملابسها. وأقتربت منها حتى أغوتها بالفاحشة، وعلمتها للنساء بعد ذلك. وأصبح النساء يتمتعن ببعضهن ولم يمانع الرجال ذلك فقدإعتاد الرجال والنساء على الفاحشة.
وكان نبى الله لوط عليه السلام من عائلة نبوية شريفة. دارت أحداث هذه القصة في منطقة البحر الميت في الأردن، وكانت البداية من عند سيدنا “لوط” عليه السلام، وهو لوط ابن هاران ابن تارخ، وهو ابن أخ ابراهيم الخليل، بعث الله لوط إلى قومين هما: أهل سدوم وعمورية، وكانت شهرتهم سيئة الصيت بسبب أعمالهم التي يندي لها الجبين، والقذارة والانحطاط الذي وصلوا إليه، فكانوا يأتون الرجال علنًا في خماراتهم من دون حياء، وكانوا يقطعون الطريق ويخونون الصديق ولا يسلم منهم غريب أو صديق.. فدعاهم إلى عبادة الله عز وجل وترك الفاحشة، فأرادوا التخلص منه وإخراجه من قريتهم. فأرسل الله عزوجل ملائكة إلى نبى الله ابراهيم عليه السلام يبشروه بالذرية الصالحه.فأكرمهم ابراهيم عليه السلام. وقدم لهم الطعام، لكنهم لم يقربانه. فخاف منهم ابراهيم عليه السلام. فقالوا لا تخف إنا ملائكة من عند الله عز وجل.
(قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَیُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ۝ قَالُوۤا۟ إِنَّاۤ أُرۡسِلۡنَاۤ إِلَىٰ قَوۡمࣲ مُّجۡرِمِینَ ۝ لِنُرۡسِلَ عَلَیۡهِمۡ حِجَارَةࣰ مِّن طِینࣲ ۝ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِینَ)” [سورة الذاريات 31 – 34]
وذهبواإلى لوط على هيئة غلمان لم يُرى فى بهائهما وجمالهما من قبل. فلما جاؤوا على مشارف أرض قوم لوط وجدوا ابنة لوط تحمل الماء لأهلها وكان لسيدنا لوط ابنتان وكانتا صالحتين. فسألها الملائكة عن مكان للمبيت الليلة، فقالت لهم ابنة لوط أن ينتظروا هنا حتى تجد لهم بيتًا يستضيفهم.
وذهبت في عجلة من أمرها إلى والدها وقالت له عن حديثهم وأخبرته أنها تخشى عليهم من قومها أن يفعلوا بهم الفاحشة مثلما يفعلون كل مرة مع الغرباء، فأمرها باحضارهم.
عندما دخل الملائكة إلى بيت لوط وحلوا ضيوفًا عليه، قامت زوجة سيدنا لوط بإرسال خبر إلى قومها سرًا بأن هناك ضيوف عند زوجها، فحضروا مسرعين يريدون شرًا بالضيوف، وحاول لوط عليه السلام مرارًا وتكرارًا أن يصرف ضيوفه عن منزله خوفًا عليهم، لكن قومه قطعوا عليه كل سبيل، فقد وصلوا إلى بيت لوط مسرعين لا يبالون بشيء، وراحوا يضربون الباب محاولين الدخول إلى الدار عنوة، فقام لوط عليه السلام وأغلق الباب جيدًا وحاول أن يبعد قومه فلم يستطع ذلك.
عندها قام سيدنا جبريل عليه السلام وضرب بطرف جناحه ضربة أعمت المهاجمين جميعًا، ثم كشفت الملائكة عن أنفسهم وأخبروا لوط بأن الله أرسلهم ليخسف بقومه الأرض في الصباح.
وأمروه بالخروج مع أهله من القرية، فخرج لوط وأهله مسرعين، وحين جاء الصباح سمع أهل القرية صوت مرعب، فإذا بزوجة لوط ترجع لقومها لأنها مثلهم، وإذا بحجر نزل من السماء عليها فقتلها في مكانها.
وجاء في التاريخ بأن جبريل حمل قوم لوط بكفه، هم وقراهم السبعة وكل من يحيا عليها ورفعهم إلى السماء حتى سمعت الملائكة صوتهم ثم خسفهم فأصبحوا تحت الأرض، وقد أثبتت الدراسات الحديثة وجود بقايا من قرية سيدنا لوط أسفل البحر الميت.
وقامت الأقمار الصناعية مؤخرًا بتصوير قاع البحر فوجدت هناك نقاط صغيرة عبارة عن قرى مغمورة تحت البحر الميت، يُعتقد أنها قرى نبي الله لوط عليه السلام.
كذلك ما قامت به الغواصات البريطانية المتخصصة للمسح الجيولوجي من مسح قاع البحر الميت فكشفت عن وجود عدة أماكن مغطاة بطبقة سميكة من الملح يعتقد أنها بقايا أماكن لقرى نبي الله لوط عليه السلام.
والجدير بالذكر أن منطقة البحر الميت هي أخفض نقطة باليابس عن مستوى سطح البحر، ومن المناطق التي تحوي أسرار كثيرة لم تكتشف جميعها بعد.
من قصة سيدنا لوط عليه السلام وقومه يجب أن نتعلم الكثير ونأخذ العبر ونتعظ في حياتنا من العذاب الذي حل بهم بسبب كفرهم وعنادهم وبعدهم عن الله ومخالفة أوامره.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك